العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٩٩ - سليمان و الحجاج
و تجاوز له[عن]السيئات، و ضاعف له الحسنات، و أعلى له الدرجات-أحق من صفح و عفا، و تغمد [١] و أبقى، و لم يشمت بي عدوا مكبا [٢] و لا حسودا مضبا [٣] ، و لم يجرّعني غصصا؛ و الذي وصف أمير المؤمنين من صنيعته إلي، و تنويهه لي بما أسند إلي من عمله، و أوطاني من رقاب رعيته، فصادق فيه، مجزى بالشكر عليه، و التوسل مني إليه بالولاية و التقرب له بالكفاية.
و قد عاين إسماعيل بن أبي المهاجر رسول أمير المؤمنين و حامل كتابه نزولي عند مسرة أنس بن مالك، و خضوعي لكتاب أمير المؤمنين، و إقلاقه إياي، و دخوله علي بالمصيبة، على ما سيعلمه أمير المؤمنين و ينهيه إليه؛ فإن أرى أمير المؤمنين-طوّقني اللّه شكره، و أعانني على تأدية حقه، و بلّغني إلى ما فيه موافقة مرضاته و مدّ لي في أجله-أمر لي بكتاب من رضاه و سلامة صدره، يؤمّنني به من سفك دمي، و يردّ ما شرد من نومي، و يطمئن به قلبي، [فعل]؛ فقد ورد عليّ أمر جليل خطبه، عظيم أمره شديد عليّ كربه، أسأل اللّه أن لا يسخط أمير المؤمنين[علي]، و أن يبتليه في حزمه و عزمه، و سياسته و فراسته، و مواليه و حشمه، و عماله و صنائعه، ما يحمد به حسن رأيه، و بعد همته، إنه ولي أمير المؤمنين و الذابّ عن سلطانه، و الصانع له في أمره، و السلام.
فحدث إسماعيل أنه لما قرأ أمير المؤمنين الكتاب، قال: يا كاتب، أفرخ [٤] روع أبي محمد. فكتب إليه بالرضا عنه.
سليمان و الحجاج:
كان سليمان بن عبد الملك يكتب إلى الحجاج في أيام أخيه الوليد بن عبد الملك كتبا فلا ينظر له فيها، فكتب:
[١] تغمد: سيّر.
[٢] اكبّ عليه: لزمه و لم يعدل عنه.
[٣] مضبا: مضمرا الغل و الحقد.
[٤] أفرخ فؤاده: أكشف عنه الفزع.