العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٩٨ - عبد الملك و الحجاج و أنس
إلى اللّه و إلى أمير المؤمنين، فتولى من ذلك ما ولاه اللّه، و عرف من حقنا ما جهلت، و حفظ منا ما ضيّعت؛ و سيحكم في ذلك ربّ هو أرضى للمرضى، و أسخط للمسخط، و أقدر على المغير، في يوم لا يشوب الحقّ عنده الباطل، و لا النور الظلمة، و لا الهدى الضلالة؛ و اللّه لو لا أن اليهود أو النصارى رأت من خدم موسى بن عمران أو عيسى ابن مريم يوما واحدا لرأت له ما لم تروا لي في خدمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم عشر سنين.
قال: فاعتذر إليه الحجاج و ترضاه حتى قبل عذره و رضي عنه، و كتب برضاه و قبوله عذره، و لم يزل الحجاج له معظّما هائبا له حتى هلك، رضي اللّه عنه.
و كتب الحجاج إلى أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان:
بسم اللّه الرحمن الرحيم. أما بعد: أصلح اللّه أمير المؤمنين و أبقاه، و سهل حظه و حاطه و لا أعدمناه، فإن إسماعيل بن أبي المهاجر رسول أمير المؤمنين-أعز اللّه نصره-قدم عليّ بكتاب أمير المؤمنين أطال اللّه بقاءه، و جعلني من كل مكروه فداءه، يذكر شتيمتي و توبيخي بآبائي، و تعييري بما كان قبل نزول النعمة بي من عند أمير المؤمنين، أتم اللّه نعمته عليه، و إحسانه إليه، و يذكر أمير المؤمنين، جعلني اللّه فداه، استطالة مني على أنس بن مالك خادم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، جرأة على أمير المؤمنين، و غرة بمعرفة غيره و نقماته و سطواته على من خالف سبيله و عمد إلى غير محبته و نزل عند سخطته و أمير المؤمنين-أصلحه اللّه-في قرابته من محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، إمام الهدى و خاتم الأنبياء-أحق من أقال عثرتي و عفا عن ذنبي، فأمهلني و لم يعجلني عند هفوتي للذي جبل عليه من كريم طبائعه، و ما قلده اللّه من أمور عباده؛ فرأى أمير المؤمنين-أصلحه اللّه-في تسكين روعي و إفراح كربتي، فقد ملئت رعبا و فرقا من سطوته، و فجاءة نقمته، و أمير المؤمنين-أقاله [١] اللّه العثرات،
[١] أقال اللّه عثرته: صفح عنه و تجاوز.