العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٩٧ - عبد الملك و الحجاج و أنس
كبعض غمزات الليوث للثعالب، و لأركضنّك ركضة تدخل منها في وجعاء [١]
أمك؛ اذكر مكاسب آبائك بالطائف، إذ كانوا ينقلون الحجارة على أكتافهم، و يحفرون الآبار في المناهل بأيديهم؛ فقد نسيت ما كنت عليه أنت و آباؤك من الدناءة و اللؤم و الضراعة؛ و قد بلغ أمير المؤمنين استطالة منك على أنس بن مالك خادم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، جرأة منك على أمير المؤمنين، و غرّة بمعرفة غيره و نقماته و سطواته على من خالف سبيله و عمد إلى غير محبته، و نزل عند سخطته، و أظنك أردت أن تروزه [٢] بها لتعلم ما عنده من التغيير و التنكير فيها، فإن سوّغتها مضيت قدما، و إن بغّضتها و ليت دبرا. فعليك لعنة اللّه من عبد أخفس [٣] العينين؛ أصلك [٤] الرجلين؛ ممسوح الجاعرتين [٥] ، و ايم اللّه لو أن أمير المؤمنين علم أنك اجترمت منه جرما و انتهكت له عرضا فيما كتب به إلى أمير المؤمنين، لبعث إليك من يسبحك ظهرا لبطن حتى ينتهي بك إلى أنس بن مالك، فيحكم فيك بما أحب، و لن يخفى على أمير المؤمنين نبؤك [٦] ، و لكل نبأ مستقر و سوف تعلمون.
قال إسماعيل: فانطلقت إلى أنس فلم أزل به حتى انطلق معي إلى الحجاج؛ فلما دخلنا عليه قال: يغفر اللّه لك أبا حمزة: عجلت بالأئمة، و أغضبت علينا أمير المؤمنين. ثم أخذ بيده فأجلسه معه على السرير، فقال: أنس: إنك كنت تزعم أنا الأشرار!و اللّه سمّانا الأناصر، و قلت: إنا من أبخل الناس!و نحن الذين قال اللّه فيهم: وَ يُؤْثِرُونَ عَلىََ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كََانَ بِهِمْ خَصََاصَةٌ [٧] و زعمت أنّا أهل نفاق! و اللّه تعالى يقول فينا: وَ اَلَّذِينَ تَبَوَّؤُا اَلدََّارَ وَ اَلْإِيمََانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هََاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لاََ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حََاجَةً مِمََّا أُوتُوا [٨] فكان المفزع و المشتكى في ذلك
[١] الوجعاء: السافلة و هي الدبر.
[٢] تروزه: تجربه.
[٣] الأخفس: الذي ينطق بالقبيح.
[٤] اصلك الرجلين: مضطرب الركبتين و العرقوبين.
[٥] الجاعرة: حرف الورك المشرف على الفخذ، و هما جاعرتان.
[٦] نبؤك: خبرك.
[٧] سورة الحشر الآية ٩.
[٨] سورة الحشر الآية ١٠.