العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٤٩ - سنة ست و ثلاثمائة
لمّا رأوا سحائب المنيّة # تمطرهم صواعق البليه
تغلغل العجم بأرض العجم # و انحشدوا من تحت كلّ نجم
فأقبل العلج لهم مغيثا # يوم الخميس مسرعا حثيثا [١]
بين يديه الرّجل و الفوارس # و حوله الصّلبان و النّواقس
و كان يرجو أن يزيل العسكرا # عن جانب الحصن الذي قد دمّرا
فاعتاقه بدر بمن لديه # مستبصرا في زحفه إليه
حتى التقت ميمنة بميسره # و اعتلت الأرواح عند الحنجره
ففاز حزب اللّه بالعلجان # و انهزمت بطانة الشيطان
فقتلوا قتلا ذريعا فاشيا # و أدبر العلج ذميما خازيا
و انصرف الناس إلى القليعة # فصبّحوا العدوّ يوم الجمعه
ثم التقى العلجان في الطريق # البنبلونيّ مع الجلّيقي
فأعقدا على انتهاب العسكر # و أن يموتا قبل ذاك المحضر
و أقسما بالجبت و الطاغوت # لا يهزما دون لقاء الموت [٢]
فأقبلوا بأعظم الطّغيان # قد جلّلوا الجبال بالفرسان
حتى تداعى الناس يوم السبت # فكان وقتا يا له من وقت
فأشرعت بينهم الرماح # و قد علا التّكبير و الصّياح
و فارقت أغمادها السّيوف # و فغرت أفواهها الحتوف [٣]
و التقت الرجال بالرجال # و انغمسوا في غمرة القتال
في موقف زاغت به الأبصار # و قصرت في طوله الأعمار
و هبّ أهل الصبر و البصائر # فأوعقوا على العدوّ الكافر [٤]
[١] العلج: كل جاف شديد من الرجال.
[٢] الجبت: كل ما يعبد من دون اللّه.
[٣] فغر: فتح. و الحتوف: المنايا.
[٤] أوعق الغارة: بثها.