العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٤٨ - سنة ست و ثلاثمائة
و اجتمعت إليه أخلاط الكور # و غاب ذو التّحصيل عنه و النظر [١]
حتى إذا أوغل في العدوّ # فكان بين البعد و الدّنوّ
أسلمه أهل القلوب القاسيه # و أفردوه للكلاب العاويه
فاستشهد القائد في أبرار # قد وهبوا نفوسهم للباري
في غير تأخير و لا فرار # إلا شديد الضرب للكفار
سنة ست و ثلاثمائة
قم أقاد اللّه من أعدائه # و أحكم النصر لأوليائه
في مبدأ العام الذي من قابل # أزهق فيه الحقّ نفس الباطل
فكان من رأي الإمام الماجد # و خير مولود و خير والد
أن احتمي للواحد القهّار # و فاض من غيظ على الكفّار
فجمع الأجناد و الحشودا # و نفّر السيّد و المسودا
و حشر الأطراف و الثّغورا # و رفض اللّذّة و الحبورا [٢]
حتى إذا ما وافت الجنود # و اجتمع الحشّاد و الحشود
قوّد بدرا أمر تلك الطائفة # و كانت النفس عليه خائفه
فسار في كتائب كالسّيل # و عسكر مثل سواد الليل
حتى إذا حلّ على مطنيّه # و كان فيها أخبث البرّية [٣]
ناصبهم حربا لها شرار # كأنما أضرم فيها النار
و جدّ من بينهم القتال # و أحدقت حولهم الرجال
فحاربوا يومهم و باتوا # و قد نفت نومهم الرّماة
فهم طوال الليل كالطّلائح # جراحهم تنغل في الجوارح [٤]
ثم مضوا في حربهم أيّاما # حتى بدا الموت لهم زؤاما
[١] الأخلاط: جمع الخلط: و هو المختلط النسب.
[٢] الحبور: السرور.
[٣] مطنيّة: اسم موضع.
[٤] الطلائح: الإبل أعيت و تعبت. و نغل الجرح: فسد.