العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٤٢ - عبد الرحمن بن محمد أمير المؤمنين
سبحان من لم تحوه أقطار # و لم تكن تدركه الأبصار
و من عنت لوجهه الوجوه # فما له ندّ و لا شبيه
سبحانه من خالق قدير # و عالم بخلقه بصير
و أوّل ليس له ابتداء # و آخر ليس له انتهاء
أوسعنا إحسانه و فضله # و عزّ أن يكون شيء مثله
و جلّ أن تدركه العيون # أو يحوياه الوهم و الظّنون
لكنّه يدرك بالقريحة # و العقل و الأبنية الصّحيحة [١]
و هذه من أثبت المعارف # في الأوجه الغامضة اللّطائف
معرفة العقل من الإنسان # أثبت من معرفة العيان
فالحمد للّه على نعمائه # حمدا جزيلا و على آلائه [٢]
و بعد حمد اللّه و التّمجيد # و بعد شكر المبدئ المعيد
أقول في أيام خير الناس # و من تحلّى بالنّدى و الباس
و من أباد الكفر و النّفاقا # و شرّد الفتنة و الشّقاقا
و نحن في حنادس كالليل # و فتنة مثل غثاء السّيل [٣]
حتى تولّى عابد الرّحمن # ذاك الأعزّ من بني مروان
مؤيّد حكّم في عداته # سيفا يسيل الموت من ظباته [٤]
و صبّح الملك مع الهلال # فأصبحا ندّين في الجمال
و احتمل التقوى على جبينه # و الدّين و الدنيا على يمينه
قد أشرقت بنوره البلاد # و انقطع التشغيب و الفساد
هذا على حين طغى النفاق # و استفحل النكّاث و المرّاق [٥]
[١] القريحة من الانسان: طبيعته التي جبل عليها.
[٢] آلائه: نعمه.
[٣] حنادس: جمع حندس: الظلمة الشديد.
[٤] الظبات: جمع الظبّة: و هي حدّ السيف و السنان و الخنجر و ما شابههما.
[٥] النكاث: جمع ناكث و هو الذي ينكث العهد.