العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٤١ - عبد الرحمن بن محمد أمير المؤمنين
إنّ الخلافة لن ترضى و لا رضيت # حتى عقدت لها في رأسك التّاجا
و لم يكن مثل هذه الغزاة لملك من الملوك في الجاهلية و الإسلام.
و له غزاة مارشن [١] التي كانت أخت بدر و حنين، و قد ذكرناها على وجهها في الأرجوزة التي نظمتها في مغازيه كلها من سنة إحدى و ثلاثمائة إلى سنة اثنتين و عشرين و ثلاثمائة، و أوقفناها.
و من مناقبه أن الملوك لم تزل تبني على أقدارها، و يقضى عليها بآثارها، و أنه بنى في المدة القليلة ما لم تبن الخلفاء في المدة الطويلة، نعم: لم يبق في القصر الذي فيه مصانع أجداده و معالم أوليته بنيّة [٢] إلا و له فيها أثر محدث، إما تزييد أو تجديد.
و من مناقبه أنه أول من سمى أمير المؤمنين من خلفاء بني أمية بالأندلس.
و من مناقبه التي لا أخت لها و لا نظير، ما أعجز فيه من بعده، و فات فيه من قبله، من الجود الذي لم يعرف لأحد من أجواد الجاهلية و الإسلام إلا له؛ و قد ذكرت ذلك في شعري الذي أقول فيه:
يا بن الخلائف و العلا للمعتلي # و الجود يعرف فضله للمفضل
نوّهت بالخلفاء بل أخملتهم # حتى كأنّ نبيلهم لم ينبل
أذكرت بل أنسيت ما ذكر الألى # من فعلهم فكأنه لم يفعل
و أتيت آخرهم و شأوك فائت # للآخرين و مدرك للأوّل
ألآن سمّيت الخلافة باسمها # كالبدر يقرن بالسّماك الأعزل [٣]
تأبى فعالك أن تقرّ لآخر # منهم وجودك أن يكون لأوّل
و هذه الأرجوزة التي ذكرت جميع مغازيه و ما فتح اللّه عليه فيها في كل غزاة، و هي:
[١] مارشن: من أعمال جيّان.
[٢] البنيّة: كل ما يبنى.
[٣] السماك: أحد النجمين النيرين أحدهما في الشمال و الآخر في الجنوب.