العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٤٠ - عبد الرحمن بن محمد أمير المؤمنين
لأعدنا ذكرها أو ذكر بعضها، و لكنا سنذكر ما سبق إلينا من مناقبه التي لم يتقدمه إليها متقدّم و لا أخت لها و لا نظير. فمن ذلك أول غزاة غزاها، و هي الغزاة المعروفة بغزاة المنتلون، افتتح بها سبعين حصنا، كلّ حصن منها قد نكبت عنه الطوائف، و أعيا على الخلائف، و فيها أقول:
قد أوضح اللّه للإسلام منهاجا # و الناس قد دخلوا في الدّين أفواجا
و قد تزيّنت الدّنيا لساكنها # كأنما ألبست وشيا و ديباجا
يا بن الخلائف إنّ المزن لو علمت # نداك ما كان منها الماء ثجّاجا [١]
و الحرب لو علمت بأسا تصول به # ما هيّجت من حميّاك الذي اهتاجا [٢]
مات النّفاق و أعطى الكفر ذمّته # و ذلّت الخيل إلجاما و إسراجا
و أصبح النصر معقودا بألوية # تطوي المراحل تهجيرا و إدلاجا [٣]
أدخلت في قبّة الإسلام مارقة # أخرجتها من ديار الشّرك إخراجا [٤]
بجحفل تشرق الأرض الفضاء به # كالبحر يقذف بالأمواج أمواجا
يقوده البدر يسري في كواكبه # عرمرما كسواد الليل رجراجا [٥]
تروق فيه بروق الموت لامعة # و يسمعون به للرّعد أهزاجا
غادرت في عقوتي جيّان ملحمة # أبكيت منها بأرض الشّرك أعلاجا [٦]
في نصف شهر تركت الأرض ساكنة # من بعد ما كان فيها الجور قد ماجا
وجدت في الخبر المأثور منصلتا # من الخلائف خرّاجا و ولاّجا [٧]
تملا بك الأرض عدلا مثل ما ملئت # جورا و توضح للمعروف. منهاجا
يا بدر ظلمتها، يا شمس صبحتها # يا ليث حومتها إن هائج هاجا [٨]
[١] الثّجاج: الشديد الانصباب.
[٢] الحميا: شدة الغضب.
[٣] الإدلاج: السير من أول الليل. و الادّلاج: السير من آخره.
[٤] المارقة: الخوارج.
[٥] الرجراج: المهتز المضطرب.
[٦] العقوة: ما حول الدار و المحلة و جيّان مدينة لها كورة واسعة بالاندلس.
[٧] ولج الشيء: دخل فيه و الولاّج: كثير الولوج.
[٨] الحومة: من البحر و الماء و الرمل و غيرها. معظمه و الحومة من القتال: أشد موضع فيه.