العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٣٦ - محمد بن عبد الرحمن
و أنت لأهل الخير روح و رحمة # نعم، و لأهل الشّرّ صاب و علقم [١]
و حدث بقي بن مخلد الفقيه قال: ما كلمت أحدا من الملوك أكمل عقلا، و لا أبلغ لفظا من الأمير محمد؛ دخلت عليه يوما في مجلس خلافته فافتتح الكلام فحمد اللّه و أثنى عليه و صلى على النبي صلّى اللّه عليه و سلم، ثم ذكر الخلفاء خليفة خليفة؛ فحكى كل واحد منهم بحليته و نعته و وصفه، و ذكره مآثره و مناقبه، بأفصح لسان، و أبين بيان، حتى انتهى إلى نفسه فسكت.
و خرج الأمير محمد يوما متنزها إلى الرصافة و معه هاشم بن عبد العزيز، فكان بها صدر نهاره على لذّاته، فلما أمسى و اختلط الظلام رجع منصرفا إلى القصر و به اختلاط؛ فأخبرني من سمعه و هاشم يقول له: يا سيدي يا بن الخلائف، ما أطيب الدنيا لو لا، قال له: لو لا ما ذا؟قال: لو لا الموت!قال له: يا بن اللخناء لحنت [٢] في كلامك؛ و هل ملكنا هذا الملك الذي نحن فيه إلا بالموت، و لو لا الموت ما ملكناه أبدا.
و كان الأمير محمد غزّاء لأهل الشرك و الخلاف، و ربما أوغل في بلاد العدوّ الستة الأشهر أو أكثر، يحرق و ينسف، و له في العدوّ وقيعة وادي سليط، و هي من أمهات الوقائع؛ لم يعرف مثلها في الأندلس قبلها، و فيها يقول عباس بن فرناس، و شعره يكفينا من صفتها:
و مختلف الأصوات مؤتلف الزّحف # لهوم الفلا عبل القبائل ملتفّ [٣]
إذا أومضت فيه الصّوارم خلتها # بروقا تراءى في الجهام و تستخفي [٤]
كأنّ ذرّى الأعلام في سيلانه # فراقد يم قد عجزن عن القذف [٥]
[١] الصاب: شجر مرّ له عصارة بيضاء كاللبن بالغة المرارة.
[٢] لحن في كلامه: أخطأ الاعراب و خالف وجه الصواب في النحو.
[٣] لهمه: ابتلعه بمره.
[٤] الجهام: السحاب الذي لا ماء فيه.
[٥] فراقد: جمع فرقد: و هو النجم القريب من القطب الشمالي ثابت الموقع تقريبا و لذا يهتدى به.