العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٣٢ - الحكم بن هشام
و أوصى رجل في زمن هشام بمال في فك سبيّة من أرض العدو، فطلبت فلم توجد، احتراسا منه للثغر؛ و استنقاذا لأهل السبي.
الحكم بن هشام
ثم ولي الخلافة الحكم بن هشام في صفر سنة ثمانين و مائة؛ و كانت ولايته ستا و عشرين سنة و إحدى عشر شهرا. و مات يوم الخميس لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ست و مائتين و هو ابن اثنتين و خمسين سنة.
و كانت فيه بطالة إلا أنه كان شجاع النفس، باسط الكف، عظيم العفة متخيرا لأهل عمله و لأحكام رعيته، أورع من يقدر عليه و أفضلهم، فيسلّطهم على نفسه، فضلا عن ولده و سائر خاصته.
و كان له قاض قد كفاه أمور رعيته، بفضله و عدله و ورعه و زهده، فمرض مرضا شديدا، و اغتم له الحكم غما شديدا؛ فذكر يزيد فتاه: أنه أرق يوما و ليلة و بعد عنه نومه و جعل يتململ على فراشه، فقلت: أصلح اللّه الأمير، إني أراك متململا و قد زال النوم عنك، فلم أدر ما عرض لك!قال: ويحك، إني سمعت نائحة هذه الليلة، و قاضينا مريض، فما أراه إلا قد قضى نحبه، و أين لنا بمثله؟و من يقوم للرعية مقامه؟ثم إن القاضي مات، و استقضى الحكم بعده سعيد بن بشير؛ فكان أقصد الناس إلى الحق، و آخذهم بعدل، و أبعدهم من هوى، و أنقذهم لحكم:
رفع إليه رجل من أهل كورة جيان أن عاملا للحكم اغتصبه جارية و عمل في تصييرها إلى الحكم، فوقعت من قلبه كل موقع، و أن الرجل أثبت أمره عند القاضي، و أتاه ببينة [١] يشهدون على معرفة ما تظلّم منه، و على عين الجارية و معرفتهم بها، و أوجب البينة أن تحضر الجارية؛ فاستأذن القاضي على الحكم، فأذن له فلما دخل عليه قال: إنه لا يتم عدل في العامة دون إفاضته في الخاصة. و حكى له أمر الجارية،
[١] البيّنة: الحجة الواضحة، و قد يريد الشهود.