العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٠٧ - مقتل الوليد بن يزيد
و لما قتل الوليد بن يزيد قام يزيد بن الوليد خطيبا، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إني و اللّه ما خرجت أشرا و لا بطرا [١] ، و لا حرصا على الدنيا و لا رغبة في الملك؛ و ما بي إطراء نفسي، و لا تزكية عملي، و إني لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربي؛ و لكني خرجت غضبا للّه و دينه، و داعيا إلى كتاب اللّه و سنة نبيه، حين درست [٢] معالم الهدى، و طفئ نور أهل التقوى؛ و ظهر الجبان العنيد، المستحل للحرمة، و الراكب للبدعة، و المغيّر للسنة؛ فلما رأيت ذلك أشفقت إن غشيتكم ظلمة لا تقلع عنكم، على كثرة من ذنوبكم، و قسوة من قلوبكم؛ و أشفقت أن يدعو كثيرا من الناس إلى ما هو عليه، فيجيبه من أجابه منكم؛ فاستخرت اللّه في أمري، و سألته أن لا يكلني إلى نفسي، و دعوت إلى ذلك من أجابني من أهلي و أهل ولايتي-و هو ابن عمي في نسبي، و كفئي في حسبي-فأراح اللّه منه العباد، و طهر منه البلاد، ولاية من اللّه و عونا، بلا حول[منا]و لا قوة، و لكن بحول اللّه و قوته و ولايته و عونه.
أيها الناس، إن لكم عليّ إن وليت أموركم، أن لا أضع لبنة على لبنة [٣] ، و لا حجرا على حجر، و لا أنقل مالا من بلد إلى بلد حتى أسدّ ثغره، و أقسم بين أهله ما يقوون به؛ فإن فضل رددته إلى أهل البلد الذي يليه و من هو أحوج إليه؛ حتى تستقيم المعيشة بين المسلمين و تكونوا فيه سواء؛ و لا أجمّركم [٤] في بعوثكم فتفتنوا و يفتن أهاليكم؛ فإن أردتم بيعتي على الذي بذلت لكم فأنا لكم به، و إن ملت فلا بيعة لي عليكم، و إن رأيتم أحدا هو أقوى عليها مني فأردتم بيعته فأنا أول من بايع و دخل في طاعته؛ أقول قولي هذا و أستغفر اللّه لي و لكم.
و قال خلف بن خليفة في قتل الوليد بن يزيد: لقتل خالد بن عبد اللّه:
[١] الأشر: البطر، و البطر: كثير الزهو.
[٢] درست: امحت.
[٣] اللّبنة: واحدة اللّبن: و هو المضروب من الطين يبنى به دون أن يطبخ.
[٤] حجّر الجيش: حبسه في أرض العدو و لم يقفله.