العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٩ - وفاة أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه
نفسك؛ كنت كالجبل لا تحرّكه العواصف، و لا تزيله القواصف؛ كنت كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: ضعيفا في بدنك؛ قويّا في دينك، متواضعا في نفسك، عظيما عند اللّه، جليلا في الأرض، كبيرا عند المؤمنين، لم يكن لأحد عندك مطمع و لا هوى، فالضعيف عندك قوي، و القويّ عندك ضعيف، حتى تأخذ الحق من القوي و تردّه للضعيف، فلا حرمك اللّه أجرك، و لا أضلّنا بعدك.
القاسم بن محمد عن عائشة أم المؤمنين أنها دخلت على أبيها في مرضه الذي توفي فيه، فقالت:
يا أبت، اعهد إليّ خاصّتك، و أنفذ رأيك في عامتك، و انقل من دار جهازك إلى دار مقامك؛ إنك محضور و منصل بي لوعتك، و أرى تخاذل أطرافك، و انتقاع لونك؛ فإلى اللّه تعزيتي عنك، و لديه ثواب حزني عليك؛ أرقأ فلا أرقأ [١] و أشكو فلا أشكى.
قال: فرفع رأسه و قال:
يا أمه، هذا يوم يخلّى لي عن غطائي، و أشاهد جزائي، إن فرحا فدائم، و إن ترحا فمقيم، إني اضطلعت بإمامة هؤلاء القوم، حين كان النكوص إضاعة، و الخزل [٢] تفريطا، فشهيدي اللّه ما كان بقلبي إلا إياه؛ فتعلقت بصحفتهم و تعللت بدرّة لقحتهم، و أقمت صلاي معهم، لا مختالا أشرا، و لا مكاثرا بطرا، و لم أعد سدّ الجوعة، و وري العورة [٣] ، و قواته القوام؛ من طوى ممعض [٤] تهفو منه الأحشاء، و تجف له الأمعاء، و اضطررت إلى ذلك اضطرار الجرض [٥] إلى الماء المعيف الآجن؛ فإذا أنا متّ فردّي إليهم صحفتهم و عبدهم و لقحتهم و رحاهم، و دثارة ما فوقي اتقيت بها البرد، و دثارة ما تحتي اتقيت بها أذى الأرض، كان حشوها قطع السعف.
[١] أي أسكن نفسي فلا تسكن.
[٢] الخزل: الترجع.
[٣] وري العورة: سترها.
[٤] ممعض: موجع.
[٥] الجرض: الذي يبتلع ريقه بجهد.