العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٧٦ - أخبار سليمان بن عبد الملك
المؤمنين. فأمر به خالد فضرب مائة سوط قبل أن يقرأ كتاب سليمان؛ فبعث القاضي ابنه المضروب إلى سليمان؛ و بعث ثيابه التي ضرب فيها بدمائها؛ فأمر سليمان بقطع يد خالد فكلمه يزيد بن المهلب و قال: إن كان ضربه يا أمير المؤمنين بعد ما قرأ الكتاب تقطع يده، و إن كان ضربه قبل ذلك فعفو أمير المؤمنين أولى بذلك. فكتب سليمان إلى داود بن طلحة بن هرم: إن كان ضرب الشيخ بعد ما قرأ الكتاب الذي أرسلته فاقطع يده، و إن كان ضربه قبل أن يقرأ كتابي فاضربه مائة سوط. فأخذ داود بن طلحة-لما قرأ الكتاب-خالدا فضربه مائة سوط؛ فجزع خالد من الضرب فجعل يرفع يديه؛ فقال له الفرزدق: ضم إليك يديك يا بن النصرانية!فقال خالد: ليهنأ الفرزدق، و ضمّ يديه. و قال الفرزدق:
لعمري لقد صبّت على متن خالد # شآبيب لم يصببن من صيّب القطر [١]
فلو لا يزيد بن المهلّب حلّقت # بكفّك فتخاء الجناح إلى الوكر [٢]
فردّت أمّ خالد عليه تقول:
لعمري لقد باع الفرزدق عرضه # بخسف و صلى وجهه حامي الجمر
فكيف يساوي خالدا أو يشينه # خميص من التّقوى بطين من الخمر [٣]
و قال الفرزدق أيضا في خالد القسري:
سلوا خالدا، لا قدّس اللّه خالدا # متى ملكت قسر قريشا تدينها؟
أقبل رسول اللّه أو بعد عهده؟ # فتلك قريش قد أغثّ سمينها
رجونا هداه؛ لا هدى اللّه قلبه # و ما أمّه بالأمّ يهدى جنينها
فلم يزل خالد محبوسا بمكة حتى حج سليمان و كلمه فيه المفضّل بن المهلب؛ فقال سليمان: لاطت [٤] بك الرحم أبا عثمان؛ إن خالدا جرّعني غيظا!قال: يا أمير
[١] شآبيب: جمع شؤبوب: و هي الدفعة من المطر.
[٢] الفتخاء: الناقة و نحوها ترتفع أخلافها قبل بطنها.
[٣] الخميص: الذي خلا بطنه و ضمر.
[٤] لاط بالشيء: لصق به.