العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٧ - وفاة أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه
قطعت أبهري» !و هذا مثل ما قال اللّه تعالى: ... ثُمَّ لَقَطَعْنََا مِنْهُ اَلْوَتِينَ [١]
و الأبهر و الوتين: عرقان في القلب إذا انقطع أحدهما مات صاحبه.
الزهري عن عروة عن عائشة قالت: اغتسل أبو بكر يوم الاثنين لسبع خلون من جمادي الآخرة، و كان يوما باردا، فحمّ خمسة عشر يوما لا يخرج إلى صلاة، و كان يأمر عمر أن يصلي بالناس؛ و توفي ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة من التاريخ؛ و غسلته امرأته أسماء بنت عميس و صلى عليه عمر بن الخطاب بين القبر و المنبر، و كبّر أربعا.
الزهري عن سعيد بن المسيب قال: لما توفي أبو بكر أقامت عليه عائشة النوح فبلغ ذلك عمر فنهاهنّ، فأبين فقال لهشام بن الوليد: أخرج إليّ بنت أبي قحافة.
فأخرج إليه أمّ فروة؛ فعلاها بالدّرّة [٢] ضربا، فتفرّق النوائح.
و قالت عائشة و أبوها يغمض، رضي اللّه عنه:
و أبيض يستسقى الغمام بوجهه # ربيع اليتامى عصمة للأرامل
قالت عائشة: فنظر إليّ و قال: ذاك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم. ثم أغمي عليه، فقالت:
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى # إذا حشرجت يوما و ضاق بها الصّدر
فنظر إليّ كالغضبان و قال: قولي: وَ جََاءَتْ سَكْرَةُ اَلْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذََلِكَ مََا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [٣] . ثم قال: انظروا ملاءتين خلقين فاغسلوهما و كفّنوني فيهما؛ فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت.
عروة بن الزبير و القاسم بن محمد، قالا: أوصى أبو بكر عائشة أن يدفن إلى جنب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم؛ فلما توفى حفر له و جعل رأسه بين كتفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و رأس عمر عند حقوي أبي بكر، و بقي في البيت موضع قبر؛ فلما حضرت الوفاة الحسن بن
[١] سورة الحاقة الآية ٤٦.
[٢] الدرة: السوط يضرب به.
[٣] سورة ق الآية ١٩.