العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١١٨ - طلب معاوية البيعة ليزيد
قال: نخافكم إن صدّقناكم، و نخاف اللّه إن كذبنا.
فلما كانت سنة خمس و خمسين كتب معاوية إلى سائر الأمصار أن يفدوا عليه، فوفد عليه من كل مصر قوم، و كان فيمن و قد عليه من المدينة محمد بن عمرو بن حزم، فخلا به معاوية و قال له: ما ترى في بيعة يزيد؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ما أصبح اليوم على الأرض أحد هو أحب إليّ رشدا من نفسك سوى نفسي، و إن يزيد أصبح غنيا في المال، وسطا في الحسب، و إن اللّه سائل كلّ راع عن رعيته، فاتق اللّه و انظر من تولّي أمة محمد.
فأخذ معاوية بهر [١] حتى تنفس الصعداء و ذلك في يوم شات، ثم قال: يا محمد، إنك امرؤ ناصح قلت برأيك، و لم يكن عليك إلا ذاك. قال معاوية: إنه لم يبق إلا ابني و أبناؤهم، فابني أحبّ إليّ من أبنائهم؛ اخرج عني! ثم جلس معاوية في أصحابه و أذن للوفود فدخلوا عليه و قد تقدّم إلى أصحابه أن يقولوا في يزيد، فكان أول من تكلم الضحاك بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين، إنه لا بد للناس من وال بعدك، و الأنفس يغدى عليها و يراح، و إن اللّه قال: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [٢] ، و لا ندري ما يختلف به العصران؛ و يزيد ابن أمير المؤمنين في حسن معدنه و قصد [٣] سيرته، من أفضلنا حلما و أحكمنا علما، فولّه عهدك، و اجعله لنا علما بعدك، فإنا قد بلونا الجماعة و الألفة، فوجدناها أحقن للدماء، و آمن للسبل، و خيرا في العاقبة و الآجلة.
ثم تكلم عمرو بن سعيد فقال:
أيها الناس، إن يزيد أمل تأملونه، و أجل تأمنونه، طويل الباع، رحب الذراع إذا صرتم إلى عدله وسعكم، و إن طلبتم رفده أغناكم؛ جدع قارح [٤] ، سوبق فسبق، و موجد فمجد، و قورع فقرع، فهو خلف أمير المؤمنين و لا خلف منه.
فقال: اجلس أبا أمية، فلقد أوسعت و أحسنت.
[١] البهر: الكرب و العجب.
[٢] سورة الرحمن الآية ٢٩.
[٣] قصد سيرته: أي استقامتها.
[٤] الجذع من الرجال: الشاب الحدث.