العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٠٦ - خروج عبد اللّه بن عباس على عليّ
و قال سليمان بن أبي راشد عن عبد اللّه بن عبيد عن أبي الكنود، قال: كنت من أعوان عبد اللّه بالبصرة، فلما كان من أمره ما كان أتيت عليا فأخبرته فقال: وَ اُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اَلَّذِي آتَيْنََاهُ آيََاتِنََا فَانْسَلَخَ مِنْهََا فَأَتْبَعَهُ اَلشَّيْطََانُ فَكََانَ مِنَ اَلْغََاوِينَ [١] .
ثم كتب علي إليه:
أما بعد، فإني كنت أشركتك في أمانتي، [و جعلتك شعاري و بطانتي]، و لم يكن من أهل بيتي رجل أوثق عندي منك، لمواساتي و موازرتي، و أداء الأمانة[إليّ]؛ فلما رأيت الزمان قد كلب على ابن عمك، و العدوّ قد حرب، و أمانة الناس قد خزيت، و هذه الأمة قد فنكت[و شغرت]، قلبت لابن عمّك ظهر المجن [٢] ، ففارقته مع القوم المفارقين، و خذلته أسوأ خذلان و خنته مع من خان، فلا ابن عمك آسيت، و لا الأمانة إليه أدّيت؛ كأنك لم تكن على بينة من ربّك، و[كأنك]إنما كنت[تكيد] أمة محمد عن دنياهم، و[تنوي]غرّتهم عن فيتهم، فلما أمكنتك الفرصة في خيانة الأمة، أسرعت الغدرة، و عاجلت الوثبة، فاختطفت ما قدرت عليه من أموالهم، و انقلبت بها إلى الحجاز، كأنك إنما حزت على أهلك ميراثك من أبيك و أمك؛ سبحان اللّه!أ ما تؤمن بالمعاد؟أ ما تخاف الحساب؟أ ما تعلم أنك تأكل حراما، و تشرب حراما، و تشتري الإماء و تنكحهم بأموال اليتامى و الأرامل و المجاهدين في سبيل اللّه التي أفاء اللّه عليهم؟ فاتق اللّه و أدّ إلى القوم أموالهم: فإنك و اللّه لئن لم تفعل و أمكنني اللّه منك لأعذرن إلى اللّه فيك: فو اللّه لو أن الحسن و الحسين فعلا مثل الذي فعلت، ما كانت لهما عندي هوادة، و لما تركتهما حتى آخذ الحق منهما، و السلام.
فكتب إليه ابن عباس:
أما بعد، فقد بلغني كتابك تعظّم عليّ أمانة المال الذي أصبت من بيت مال
[١] سورة الأعراف الآية ١٧٥.
[٢] يقال: قلب له ظهر المجن: عاداه بعد مودة.