المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٨٢ - قصة أهل اليمامة
و كان البراء بن مالك أخو أنس إذا حضر الحرب أخذته العدواء- يعني الرعدة- حتى يقعد عليه الرجال، ثم ينهم كالأسد، فلما رأى ما أصاب الناس أخذه ما كان يأخذه، فثاب إليه ناس من المسلمين، فقاتلوا قتالا شديدا حتى انحازت بنو حنيفة و اتبعهم المسلمون حتى أصاروهم إلى حديقة فدخلوها ثم أغلقوا [١] عليهم، فقال البراء: احملوني و القوني إليهم، فألقوه إليهم ففتح الباب للمسلمين و قد قتل عشرة، فقتل في هذه الحديقة و في هذه المعركة بضعة عشر ألف مقاتل. و كانت بنو حنيفة تقول لمسيلمة حين رأت خذلانها: أين ما كنت تعدنا؟ فيقول: قاتلوا عن أحسابكم. و قتل اللَّه عز و جل مسيلمة، اشترك في قتله رجلان: رجل/ من الأنصار، و وحشي مولى جبير بن مطعم. و كان وحشي يقول: وقعت فيه حربتي و ضربه الأنصاري و اللَّه يعلم أينا قتله.
و كان يقول: قتلت خير الناس و شر الناس، حمزة و مسيلمة. و كانوا يقولون: قتله العبد الأسود، فأما الأنصاري فلا شك أن أبا دجانة سماك بن خرشة قتله.
فلما أخبر خالد بقتل مسيلمة خرج بمجاعة يرسف [٢] في حديدة ليدله على مسيلمة، فمر بمحكم بن الطفيل، فقال خالد: هذا صاحبكم؟ قال: لا هذا و اللَّه خير منه و أكرم، ثم دخل الحديقة، فإذا رويجل أصيفر أخينس [٣]، فقال له مجاعة: هذا صاحبكم قد فرغتم [منه] [٤]، فقال خالد: هذا فعل بكم ما فعل، قال: قد كان ذلك يا خالد، و إنه و اللَّه ما جاءك إلا سرعان الناس [٥]، و إن جماهير الناس لفي الحصون.
قال: ويلك ما تقول؟
قال: هو و اللَّه الحق، فهلم لأصالحك على قومي. فدعني حتى آتيهم و أصالحهم عنك، فإنّهم يسمعون مني، و دخل الحصن، فأمر الصبيان و النساء فلبسوا السلاح ثم أشرفوا عليه و خالد يظنهم رجالا، فلما نظر إليهم و قد قتل أكثر أصحابه صالح مجاعة
[١] «أغلقوا»: سقطت من أ و في الأصل: «أغلوا».
[٢] في الأصل: «خرج بمجاعة بن سيف».
[٣] أخينس تصغير أخنس، و الخنس تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع قليل في الأرنبة.
[٤] ما بين المعقوفتين: ساقط من أ.
[٥] سرعان الناس: بالتحريك. و يخفف أوائلهم المستبقون.