المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٨١ - قصة أهل اليمامة
فلما رجع الى مسيلمة شهد له في جماعة من بني حنيفة أنه سمع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم يشركه في الأمر، و أنه قد أعطي النبوة كما أعطيها، و كان قوله أشد على أهل اليمامة من فتنة مسيلمة.
قال أبو هريرة [١]: جلست في رهط عند رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم: «إن فيكم لرجلا ضرسه في النار مثل أحد».
فهلك القوم و بقيت أنا و الرحال فكنت متخوفا لها حتى خرج الرحال مع مسيلمة، فشهد له بالنّبوّة قالوا: الرجال.
فخرج يومئذ في مقدمة مسيلمة و معه محكم اليمامة، و هو محكم بن طفيل، و التقى الناس، فكانت راية المهاجرين مع سالم مولى أبي حذيفة، فقالوا له: انظر كيف تكون؟ إياك أن تفر، قال: بئس حامل القرآن أنا إذن، فقاتل حتى قتل. و قال أبو حذيفة: يا أهل القرآن، زينوا القرآن بالأفعال، و حمل فأنفذهم حينئذ [و قتل].
و كانت راية الأنصار مع ثابت بن قيس بن شماس، و اقتتل الناس قتالا شديدا، فقتل الرحال و محكم اليمامة، أما الرحال فقتله زيد بن الخطاب، و أما محكم فقتله عبد الرحمن بن أبي بكر، و ثبت مسيلمة، ثم جال/ المسلمون حوله فتراجعوا، فدخلت بنو حنيفة في فسطاط خالد فرعلوه بسيوفهم، و حمل رجل منهم على أم تميم بالسيف، فألقى مجاعة عليها رداءه، و قال: إنها في جواري فنعم الحرة ما علمت، فأصيب من المسلمين ألف و مائتا رجل، و انكشف باقيهم. فلما رأى ذلك ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري، قال: يا معشر المسلمين، بئس ما عودتم أنفسكم، ثم قال: اللَّهمّ إني أبرأ إليك من هؤلاء- يعني المشركين- و أعتذر إليك مما فعل هؤلاء- يعني المسلمين- ثم قاتل [٢] و جالد بسيفه حتى قتل. و كان قد ضرب فقطعت رجله فرمى بها قاتله. فقتله. و قاتل زيد بن الخطاب أخو عمر حتى قتل. فلما رجع عبد اللَّه بن عمر، فقال له: هلا هلكت قبل زيد، فقال: قد عرضت على ذلك و لكن اللَّه أكرمه بالشهادة.
و في رواية أخرى أنه قال له: ما جاء بك و قد هلك زيد، ألا واريت وجهك عني.
[١] الخبر في الطبري ٣/ ٢٨٩.
[٢] «ثم قاتل»: سقطت من أ.