المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٨٤ - قصة أهل البحرين
قبله أنبياء؟ قالوا: نعم، قال: فما فعلوا؟ قالوا: ماتوا، قال: فإن محمدا قد مات كما ماتوا، فعادوا إلى الإسلام.
فلما فرغ خالد من اليمامة بعث أبو بكر العلاء بن الحضرميّ إلى البحرين في ستة عشر فارسا، فقال ابن عبد القيس: إن لم يرتدوا فهم جندك فسار مع العلاء حتى بلغه عبد القيس، فكتب الجارود إلى العلاء: إن بيني و بينك أسود النهار و ضباع الليل، ففهم فبعث العلاء جنوده تحت الليل فقتلوهم و سار و أمده ثمامة بقومه، فنزل العلاء بأصحابه ليلة فنفرت الإبل فما بقي عندهم لا زاد و لا مزاد، و أوصى بعضهم إلى بعض فصلى بهم العلاء الفجر و جثى فدعا فلاح لهم ماء، فذهبوا إليه فشربوا، فإذا الإبل [تكرد من كل وجه] [١]، فقام كل رجل منهم إلى ظهره، فما فقدوا سلكا [٢]، و خندق المسلمون و تراجعوا و تراوحوا القتال شهرا، ثم كر المرتدون، فتحصن المسلمون، منهم بحصن بالبحرين يقال له: جواثا حتى كادوا يهلكون جوعا، فنزل بعض المسلمين/ ليلا، فجال في عسكر القوم ثم عاد فقال: إن القوم سكارى، فخرج إليهم العلاء و أصحابه، فوضعوا فيهم السيوف، و أخذوا غنائمهم.
و لما فرغ العلاء من البحرين سار إلى هجر فافتتحها صلحا و كان فيها راهب، فقيل له: ما دعاك إلى الإسلام فقال: ثلاثة أشياء خشيت أن يمسخني [اللَّه] [٣] بعدها إن لم أسلم: فيض في الرمال، و تمهيد أثباج البحار، و دعاء سمعته في عسكرهم في الهواء من السحر، قالوا: اللَّهمّ أنت الرحمن الرحيم، لا إله غيرك، و البديع ليس قبلك شيء، و الدائم غير الغافل، [و الحي] [٤] الّذي لا يموت، و خالق ما يرى و ما لا يرى، و كل يوم أنت في شأن، علمت اللَّهمّ كل شيء بغير تعلّم، فعلمت أن القوم لم يعانوا بالملائكة إلا و هم على أمر اللَّه [٥].
فكان أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم يسمعون من ذلك الهجريّ بعد.
[١] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصول، أوردناه من الطبري، و الكرد: الطرد.
[٢] السلك، جمع سلكة، و هو الخيط الّذي يخاط به الثوب.
[٣] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، أوردناه من أ.
[٤] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصول، و أوردناه من أ.
[٥] الخبر مختصر من الطبري ٣/ ٣١٢، و الأغاني ١٥/ ٢٥٧.