المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٥٤ - ٢٤٢- عروة بن حزام بن مهاجر
فلما أصبح غدا يستدل عليه حتى جاءه، فقال: قدمت هذا البلد و لم تنزل بنا، و لم تر أن تعلمنا بمكانك فيكون منزلك عندنا عليّ، و عليّ إن كان لك منزل إلا عندي، قال: نعم نتحول إليك الليلة أو في غد. فلما ولى/ قال عروة لأهله: قد كان ما ترون، و إن أنتم لم تخرجوا معي لأركبن رأسي و لألحقن بقومكم فليس عليّ بأس. فارتحلوا و ركبوا طريقهم و نكس عروة و لم يزل مدنفا حتى نزلوا وادي القرى.
و في رواية أخرى: أن حزاما هلك و ترك ابنه عروة صغيرا في حجر عمه عقال بن مهاصر، و كانت عفراء تربا لعروة يلعبان جميعا و يكونان معا حتى [ألف كل واحد منهما] الفا شديدا، و كان عقال يقول لعروة لما يرى من الفهما: أبشر، فإن عفراء امرأتك إن شاء اللَّه، و كانا كذلك حتى بلغا، فأتى عروة عمة له يقال لها هند بنت مهاصر، فشكى إليها ما به من حب عفراء، و قال لها: يا عمة إني لأكلمك و أنا مستحي منك، و لم أفعل هذا حتى ضقت ذرعا بما أنا فيه، فذهبت عمته إلى أخيها، فقالت: يا أخي قد أتيتك في حاجة أحب أن تحسن قضاءها، فإن اللَّه يؤجرك بصلة رحمك، قال: إن تسأليني لا أردك فيها، قالت: تزوج عروة ابن أخيك بابنتك عفراء، فقال: ما عنه مذهب، و لا بنا عنه رغبة، و لكنه ليس بذي مال، و ليست عليه عجلة، فسكت عروة بعض السكوت، و كانت أمها لا تريد إلا ذا مال، فعرف عروة ان رجلا ذا مال قد خطبها، فأتى عمه، فقال: يا عم، قد عرفت حقي و قرابتي، و إني ربيت في حجرك، و قد بلغني أن رجلا يخطب عفراء فإن أسعفته بطلبتي قتلتني و سفكت دمي، فأنشدك اللَّه و رحمي و حقي، فرق له، و قال: يا بني، أنت معدم، و أمها قد أبت أن تخرجها إلا/ بمهر غال، فاضطرب و استرزق اللَّه.
فجاء إلى أمها و لاطفها و داراها فأبت إلا بما تحتكم من المهر، فعمل على قصد ابن عم له موسر باليمن، فجاء إلى عمه و امرأته فأخبرهما بقصده و عزمه، فصوباه و وعداه ألا يحدثا حدثا حتى يعود.
و ودع عفراء و الحي، و صحبه فتيان كانا يألفانه، و كان طول سفره ساهيا حتى قدم على ابن عمه فعرفه حاله، فوصله و كساه و أعطاه مائة من الإبل، فانصرف بها، و قد كان رجل من أهل الشام قد نزل في حيّ عفراء، فنحر و أطعم و رأى عفراء فأعجبته، فخطبها