المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣١٨ - ٢٣٠- عمير بن سعد بن عبيد بن النعمان بن قيس
، و إن رأيت حالا شديدا فادفع إليه هذه المائة دينار.
فانطلق الحارث، فإذا هو بعمير جالس يفلي قميصا إلى جنب الحائط، فسلم عليه الرجل، فقال له عمير: انزل رحمك اللَّه. فنزل ثم سأله فقال: من أين جئت؟
فقال: من المدينة. قال: فكيف تركت أمير المؤمنين؟ قال: صالحا. قال: فكيف تركت المسلمين؟ قال: صالحين. قال: أ ليس يقيم الحدود/ قال: بلى، ضرب ابنا له على فاحشة فمات من ضربة. قال عمير: اللَّهمّ أعن عمر، فإنّي لا أعلمه إلا شديدا حبه لك.
قال: فنزل به ثلاثة أيام، و ليس لهم إلا قرص من شعير كانوا يخصونه به، و يطوون حتى أتاهم الجهد. فقال له عمير: إنك قد أجعتنا، فإن رأيت أن تتحول عنا فافعل. قال:
فأخرج الدنانير فدفعها إليه، فقال: بعث لك أمير المؤمنين، فاستعن بها. قال: فصاح و قال: لا حاجة لي فيها، ردّها. فقالت له امرأته: إن احتجت إليها، و إلا فضعها في مواضعها. فقال عمير: و اللَّه ما لي شيء أجعلها فيه. فشقت المرأة أسفل درعها، فأعطته خرقة، فجعلها فيها، ثم خرج فقسمها بين أبناء الشهداء و الفقراء، ثم رجع و الرسول يظن أنه يعطيه منها شيئا. فقال له عمير: أقرئ مني أمير المؤمنين السلام. فرجع الحارث إلى عمر فقال: ما رأيت؟ قال: رأيت حالا شديدا. قال: فما صنع بالدنانير؟
قال: لا أدري. قال: فكتب إليه عمر: «إذا جاءك كتابي فلا تضعه من يدك حتى تقبل».
فأقبل إلى عمر، فدخل عليه، فقال له عمر: «ما صنعت بالدنانير؟ فقال:/ صنعت ما صنعت، و ما سؤالك عنها؟ قال: أنشدك اللَّه إلا ما أخبرتني [١] ما صنعت بها؟ قال:
قدمتها لنفسي. قال: رحمك اللَّه. فأمر له بوسق من طعام و ثوبين، فقال: أما الطعام فلا حاجة لي فيه، قد تركت في المنزل صاعين من شعير، إلى أن آكل ذلك قد جاء اللَّه بالرزق. و لم يأخذ الطعام. و أما الثوبان فإن أم فلان عارية [٢]. فأخذهما و رجع إلى منزله، فلم يلبث أن هلك- رحمه اللَّه- فبلغ ذلك عمر، فشق عليه، و ترحم عليه، و خرج يمشي معه، و معه المشاءون [٣] إلى بقيع الغرقد، فقال لأصحابه: ليتمنّ كل
[١] في ت: «أقسمت عليك لتخبرني».
[٢] في ت: «عريان».
[٣] في الأصل: «المشارون».