المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣١٧ - ٢٣٠- عمير بن سعد بن عبيد بن النعمان بن قيس
اكتب إلى عمير، فو اللَّه ما أراه إلا قد خاننا: «إذا جاءك كتابي هذا فاقبل و أقبل بما جبيت من فيء المسلمين حين تنظر في كتابي هذا».
قال: فأخذ عمير جرابه، فجعل فيه زاده و قصعته، و علق أدواته، فأخذ عنزته، ثم أقبل يمشي من حمص حتى دخل المدينة، و قد شحب لونه، و أغبر وجهه، و طال شعره، فدخل على عمر فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللَّه. قال عمر: ما شأنك؟/ فقال عمير: ما ترى من شأني، أ ليس تراني صحيح البدن [١]، ظاهر [٢] الدّم، معي الدنيا أجرها بقرنها. قال: و ما معك؟ فظن عمر أنه قد جاء بمال. فقال: معي جرابي، أجعل فيه زادي و قصعتي، آكل فيها، و أغسل فيها رأسي و ثيابي و إداوتي أحمل فيها وضوئي و شرابي، و عنزتي أتوكأ عليها، و أجاهد بها عدوا إن عرض لي، فو اللَّه ما الدنيا إلا نفع لمتاعي، قال عمر: فجئت تمشي؟ قال: نعم، قال: أما كان لك أحد يتبرع لك بداية تركبها؟ قال: ما فعلوه، و ما سألتهم ذلك. فقال عمر: بئس المسلمين خرجت من عندهم. فقال عمير: اتّق اللَّه يا عمر، قد نهاك اللَّه عن الغيبة، و قد رأيتهم يصلون صلاة الغداة. قال عمر: بعثتك و أي شيء صنعت؟ فقال: و ما سؤالك يا أمير المؤمنين؟ فقال:
سبحان اللَّه. فقال عمير: أما أني لو لا إني أخشى أن أعمل [٣] ما أخبرتك بعثتني حتى أتيت البلد، فجمعت صلحاء أهلها فوليتهم جباية فيئهم، حتى إذا جمعوه وضعته مواضعه، و لو نالك منه شيء لأتيتك به. قال: فما جئتنا بشيء. قال: لا. قال: جدّدوا لعمير عهدا. قال: إن ذلك لشيء لا عملته لك و لا لأحد بعدك، و اللَّه ما سلمت، بل لم أسلم. قلت: لنصراني؟ [٤] أخزاك اللَّه، هذا ما عرضتني له، و إن أشقى أيامي يوم خلفت [٥] معك. ثم استأذنه، فأذن له، فرجع إلى منزله، و بينه و بين المدينة أميال، فقال عمر حين انصرف عمير: ما أراه إلا قد خاننا. فبعث رجلا يقال له الحارث، و أعطاه مائة دينار، و قال: انطلق إلى عمير حتى تنزل به كأنك ضيف، فإن رأيت أثر شيء فأقبل
[١] في الأصل: «اليدين».
[٢] في الأصل: «طاهر».
[٣] في ت: «أعمك».
[٤] «لنصراني؟» ساقطة من ت.
[٥] في الأصل: «حلفت».