الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٥١٠ - باب نادر جامع في فضل الإمام و صفاته
فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ» [١]. في تفسير البيضاوي:
فليمدد بسببٍ من السماء، ثمّ ليقطع، فليستقص في إزالة غيظه أو جزعه بأن يفعل كلّ ما يفعله الممتلي غضباً أو المبالغ جزعاً حتّى يمدّ حبلًا إلى سماء بيته، فيختنق من قطع إذا اختنق؛ فإنّ المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه. وقيل: فليمدد حبلًا إلى سماء الدنيا، ثمّ ليقطع به المسافة حتّى بلغ عنانها، فليجتهد في دفع نصره وتحميل رزقه [٢].
أقول: المراد بالسماء في الحديث هو المعنى الثاني على أنّ المعنيّ به عالم الملكوت. وحاصل الكلام أنّ الإمام يتوصّل إلى اللَّه تعالى بوصلة قائمة بينهما غير منقطعة؛ على أنّ جملة «لا ينقطع» صفة لسبب.
في القاموس: «السبب: الحبل، وما يتوصّل به إلى الشيء» [٣].
ويمكن أن يقرأ «يمدّ» بالبناء للمجهول؛ من الإمداد بمعنى إعطاء المدد.
والجملة حال من الإمام، أي أمدّه اللَّه بمدد وسبب يتّصل إلى السماء غير منقطع عنه موادّ ذلك السبب.
وفي نهج البلاغة في صفة الملائكة: «لا يَرجِعُ بهم الاستهتارُ بلزوم طاعته [إلّا] إلى موادّ من قلوبهم غيرِ منقطعةٍ من رجائه ومخافته، ولم ينقطع أسبابُ الشَّفَقَةِ منهم، فَيَنوا في جِدِّهم» [٤].
في شرح بعض المحقّقين:
لمّا كانت غاية عبادته هو الوصول إلى كمال معرفته، وكانت درجات المعارف الإلهيّة غير متناهية، لم يكن قَطْعهم لتلك المسافة ممكناً، ولمّا كانوا غرقى في محبّته، عالمين بكمال عظمته، وأنّ ما يرجونه من تمام جوده أشرف المطالب وأربح المكاسب، وما يخشى من انقطاع جوده ونزول حرمانه أعظم المهالك والمعاطب، لاجرم دام رجاؤهم لهم وخضوعهم في رقّ الحاجة إليه والفزع من حرمانه، وكان ذلك الرجاء والخوف هو مادّة استهتارهم بلزوم طاعته التي يرجون إليها من قلوبهم، فلم ينقطع استهتارهم بلزومها.
[١]. الحجّ (٢٢): ١٥.
[٢]. أنوار التنزيل، ج ٤، ص ١١٨.
[٣]. القاموس المحيط، ج ١، ص ٨١ (سبب).
[٤]. نهج البلاغة، ص ١٣١، الخطبة ٩١.