الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ١٧٧ - فصل في خلق الأرضيّات
فيه، ويعجز عمّا يحول إلى السحاب والضباب أوّلًا أوّلًا، وقد تقدّم من صفته ما فيه كفاية.
والنار أيضاً كذلك، فإنّها لو كانت مبثوثة كالنسيم والماء كانت تحرق العالم وما فيه، و [لما] لم يكن بدّ من ظهورها في الأحايين لعنائها في كثير من المصالح، فجعلت كالمخزونة في الأجسام، ملتمس عند الحاجة إليها، وتمسك بالمادّة والحطب ما احتيج إلى بقائها لئلّا تخبو، فلاهي تمسك بالمادّة والحطب فتعظم المؤونة في ذلك، ولا هي تظهر مبثوثةً فتحرق كلّ ما هي فيه، بل على تهيئة وتقدير، اجتمع فيها الاستمتاع بمنافعها والسلامة من ضررها.
ثمّ فيها خلّة اخرى وهي أنّها ممّا خصّ به الإنسان دون جميع الحيوان لما فيه من المصلحة، فإنّه لو فقد النار لعظم ما يدخل عليه من الضرر في معاشه.
أمّا البهائم، فلا تستعمل النار ولا تستمتع بها، ولمّا قدّر اللَّه عزّوجلّ أن يكون هذا هكذا خلق للإنسان كفّاً وأصابعَ مهيّئةً لقدح النار واستعمالها، ولم يُعْطَ البهائم مثل ذلك، لكنّها اعينت بالصبر على الجفاء، والخلل في المعاش؛ لكيلا ينالها في فقد النار ما ينال الإنسان. وانبّئك من منافع النار على خلقة صغيرة عظيم موقعها، وهي هذه المصباح التي يتّخذها الناس، فيقضون به حوائجهم ما شاؤوا من ليلهم، ولولا هذه الخلّة لكان الناس يصرف أعمارهم بمنزلة من في القبور، فمن كان يستطيع أن يكتب أو يخيط أو ينسج في ظلمة الليل؟ وكيف كانت حال من عرض له وجع في وقتٍ من أوقات الليل، فاحتاج أن يعالج ضماداً أو سفوفاً أو أشياء يستشفى به. فأمّا منافعها في نضج الأطعمة ودفاء الأبدان وتجفيف أشياء وتحليل أشياء وأشباه ذلك، فأكثر من أن تحصى، وأظهر من أن يخفى». [١]
قال ٧: «انظر يا مفضّل هذه الجبالَ المركومة من الطين، والحجارة التي قد يحسبها الغافلون فضلًا لا حاجة إليها، والمنافع فيها كثيرة: فمن ذلك أن يسقط عليها الثلوج،
[١]. توحيد المفضّل، ص ١٤٢- ١٤٨؛ بحار الأنوار، ج ٣، ص ١٢٢- ١٢٤.