الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ١٩٦ - فصل في السحاب المسخّر بين السماء والأرض
القرطاس لامتلأ العالم منه، فكان يكربهم ويفدحهم، وكانوا يحتاجون في تجديده والاستبدال إلى أكثرَ ممّا يحتاج إليه في تجديد القراطيس؛ لأنّ ما يلقى [١] من الكلام أكثرُ ممّا يُكتب، فجعل الخلّاق الحكيم- جلّ قدسه- هذا الهواء قرطاساً خفيّاً يحمل الكلام رَيْثَما يبلغ العالم حاجتهم، ثمّ يمحا فيعود جديداً نقيّاً، ويحمل ما حمل أبداً بلا انقطاع.
وحسبك بهذا النسيم- المسمّى هواءً- عبرةً وما فيه من المصالح؛ فإنّه حياة هذه الأبدان، والممسك لها من داخل بما يستنشق منه، ومن خارج بما تباشر به من روحه، وفيه يطرد هذه الأصوات، فيؤدّي بها من البُعد البعيد، وهو الحامل لهذه الأراييج [٢] ينقلها من موضع إلى موضع؛ ألا ترى كيف تأتيك الرائحة من حيث تهبّ الريح، وكذلك الصوت وهو القابل لهذا الحرّ والبرد اللَذيْن يعتقبان [٣] على العالم لصلاحه، ومنه هذه الريح الهابّة، فالريح يروح عن الأجسام، ويرخي السحاب من موضع إلى موضع ليعمّ نفعه حتّى يستكثف، فيمطر، وتفضّه حتّى يستخفّ فيتفشّى، ويلقّح الشجر، وتسيّر السفن، وترخي الأطعمة وتبرّد الماء، وتشبّ النار، وتجفّف الأشياء النديّة.
وبالجملة، إنّها تُحيي كلّ ما في الأرض، فلولا الريح لذوى النبات، ومات الحيوان، وحَمت الأشياء وفسدت». [٤]
أقول: ولنقتصر على هذا القدر ممّا ذكر الإمام ٧ في توحيد المفضّل من الحِكم والمصالح، مع أنّها بالنسبة إلى ما كتب قلم الصنع في أوراق الأنفس والآفاق غرفة من
[١]. في المصدر: «يلقى».
[٢]. في المصدر: «الأرواح».
[٣]. في المصدر: «يتعاقبان».
[٤]. توحيد المفضّل، ص ١٤٠- ١٤٢؛ بحار الأنوار، ج ٣، ص ١١٩.