الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٥٩ - باب حدوث العالم و إثبات المحدث
العالم وتناسبها، ثمّ التنبيه على أنّ التصادق والتصادم على سبيل البخت والاتّفاق المعبَّر عنه بالإهمال لا يأتي بمثل هذا النظام البديع، والبنيان المنيع كما نقله الإمام ٧، ولعمرك أنّه من نظر إلى أجزاء العالم من العلويّات والسفليّات والبسائط والمركّبات، وجدها كأعضاء إنسان كامل في أنّ كلّاً قد وُكّل إليه عمل معيّن، وهو مشغول به لا يفتر عنه، كأنّه قد آجر نفسه لعملٍ معيّن باجرةٍ معيّنة، ومع ذلك جميع أعمال العَمَلة متلائمة متناسبة؛ بعضها موضوع عمل بعضٍ آخَرَ، وبعضها متمِّم عمل بعض، وبعضها مزيّن عمل بعض، وغاية المجموع تحقيق الشخص على أكمل نظام، وتعيّشه أحسن تعيّش، وقد بيّن ذلك مولانا الصادق ٧ في توحيد المفضّل والإهليلجة أفصحَ بياناتٍ، ومنه اقتبس بعض مواليه في رسالته المسمّاة بالصناعيّة.
وإذا سمعت ما تلونا لك أيقنتَ أنّ ذهاب الشمس والقمر وإيابهما، وكذا ولوج كلٍّ من الليل والنهار في صاحبه ليس على سبيل البخت والاتّفاق والهرج والمرج، بل بعمد وتدبير وحكمة وتقدير، والتدبير متّصل بين السماء والسماويّات، والأرض والأرضيّات من البسائط والمركّبات، وكلُّ حركة واقعة فيها- سواء كانت طبيعيّةً، أي محرّكها في ذات المتحرّك ولا شعور له. أو إراديّةً، أي محرّكها شوق غالب منبعث عن إحساس أو تخيّل أو تصوّر، أو قسريّةً يرجع إلى أحد المحرّكين- اضطراريّةٌ، أي تابعة لقضاء ملك قاهر، ومشيّة سلطانٍ غالب، وبهذا المعنى قال الإمام ٧ فيما بعدُ: «القوم مضطرّون» واتّضاح ذلك بشرح قدر من أحوال الحركتين:
اعلم أنّ المحرّك الطبيعي قد لا يحرّك الشخص؛ لفقدان الشرط كالهواء المنحبس في الماء؛ فإنّ طبيعته لا تحرّكه لوجود العائق، ولو اتّفق تحقّق غير هواء في الجوّ كالصاعقة أو الماء المنقلب من الهواء لعروض البرد الموجب للتكاثف، لحرّكته الطبيعة إلى ما يسامته من أجزاء مكانه الطبيعي، ولو رُدّ لعاد، فلكلّ من أصل الحركة وزمانها وعوارضها الشخصيّة وانتهائها إلى منتهىً خاصٍّ شرطٌ خاصّ، إذا استوفت الطبيعة جميعها حرّكت الجسمَ على الوجه الخاصّ، والموفي للشرائط المضطرّ لها