الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٤٢٤ - شرح الخطبة من كتاب بحار الأنوار
نظرت في الآفاق والأنفس، ورأيت فيها صنوفاً من التغيّرات والتقلّبات، ووجدت لبّي مجبولًا على الحكم بإمكان المتغيّر- أي عدم لزوم واحد من الوجود والعدم له في حدّ ذاته، ومع قطع النظر عن غيره- وعلى الحكم بافتقار الممكن إلى الغير، وعلى الحكم بامتناع ذهاب سلسلة الافتقارات، لا إلى نهاية بالضرورة الفطريّة، وعلى الحكم بأنّ التشكيك فيه كالتشكيك على اليقظان في أنّه لعلّك نائم؛ فإنّ الحالات التي بك- من الأكل والشرب والانتقال من مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان وغير ذلك- قد يتخيّل في المنام، ويزعم النائم أنّه في حال اليقظة، فبِمَ استيقنت أنّك الآنَ لست نائماً؟
فكما أنّ هذا التشكيك فيما علم بالضرورة، كذلك احتمال ذهاب السلسلة لا إلى نهاية، وعلى الحكم بأنّ البراهين- التي ذُكرت في إبطال تسلسل العلل والمعلولات تشحيذاً للأذهان- هي التي أوقعت بعضَ الأذهان في القلق، كما قال بعض أرباب الكمال: «اين ره از بسيارى سنگ نشان هموار نيست».
وعلى الحكم بأنّ هذه الأحكامَ كلّها حاصلة لكلّ عقل لم يعوج بمدارسة شكوك المتفلسفين ومن حذا حَذْوَهم من مجادلي المتكلِّمين، إمّا بالضرورة الفطريّة، أو الحدس والفراسة، أو ما شئت فسمِّ.
هذا طريق حصول معرفتي بخالق العالم من حيث الذات والمحمولات اللائقة بجنابه تعالى بحيث المعرفة الموجودة بمعنى الخارج عن حدّ التعطيل، والواجب الوجود بمعنى الغنيّ بالذات المتعالي عن العدم السابق واللاحق وعن مشابهة المحتاجين إليه، وبالجملة المحمولات اللّائقة لجناب القدس بهذه المعرفة، لا تزيد على التقديس والتنزيه، ولا يوجب تناول الذات، كيف ولا مطمع هناك للملائكة المقرّبين ولا الأنبياء المرسلين فضلًا عن غيرهم، وكفى في ذلك قول سيّد المرسلين ٦: «ما عرفناك حقّ معرفتك». [١] وفي الحديث: «كلّ ما ميّزتموه بأوهامكم
[١]. عوالي اللآلي، ج ٤، ص ١٣٢، ح ٢٢٧؛ بحار الأنوار، ج ٦٩، ص ٢٩٣، ذيل ح ٢٣؛ فيض القدير، ج ٢، ص ٥٢٠؛ تفسير الآلوسي، ج ٤، ص ٧٩.