الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٨١ - شرح خطبة الكافي
والخنفساء والديدان البدنيّة التي تتولّد في البطن من البلغم، والديدان المنتنة التي تقع على الزروع والأشجار، والضفادع والحلزونات إلى غير ذلك.
وبعد الإحاطة بما ذكرنا ظهر لك حقيقة قوله تعالى: «كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ» [١]* وقوله:
«وَ جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَ الْخَنازِيرَ» [٢]، وما ورد في الأخبار الكثيرة من أنّ بني اميّة مُسخت بصورة الوزغة، وعُلم أنّ العبرة بطينة النفوس، وأمّا الأبدان فهي لباس لها، وقد يبدّل اللباس لحكمة ومصلحة، وكلا صنفي الخبيث ابيح في الحكمة ذلّهما، وهو أنّهما من جهة نفس خباثة النفس، وكونها مؤذيةً بالإرادة المنبعثة عن خبث ذاتي، واختصّ صنفٌ منهما بالنكال والإذلال في النشأة الآخرة من جهة سوء الأفعال أيضاً لمزيد قوّة لقوّته المدركة، لا لكونه خارجاً عن سنخ تلك الخبائث، ولا استبعادَ أن يكون بعض أصناف سنخ واحد قابلًا للأدب والتعليم، وفي عرضة الخطاب والعتاب، ألمتر تعلّم الجَدْي وتأدّبَه من سائسه وكذلك القردة، وقد شوهدت من كلّ منهما أفعال على وجه القصد والإرادة، كانت بها في سلك حذّاق الإنس. وحسبك حجّةً قاطعةً في هذا الباب قوله تعالى: «وَ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ» [٣].
والحاصل أنّ الصورة الإنسانيّة لهذا الصنف في هذه النشأة لباس عارية لهم، وسيحشرون بصورهم الأصليّة التي هي صور القردة والخنازير والكلاب، وناهيك في هذا الباب ما حكى اللَّه تعالى عمّن قال: «لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً» [٤] وغيرها من الآيات.
وما يصل إليهم في النشأة الآخرة من جهتين: خباثة ذواتهم، وسيّئ أعمالهم التي تصدر عنهم بشوق وإرادة لانتفاع الأبدان، أو لمحض دعوة خباثتهم الذاتيّة، ولا خير فيهم؛ «وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ»، [٥] والأمر والنهي بالنسبة إليهم من أسباب
[١]. البقرة (٢): ٦٥؛ الأعراف (٧): ١٦٦.
[٢]. المائدة (٥): ٦٠.
[٣]. المائدة (٥): ٤.
[٤]. طه (٢٠): ١٢٥.
[٥]. الأنفال (٨): ٢٣.