الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٣٥٩ - باب حدوث الأسماء
الرابع: أن يكون المراد أنّ الحقّ تعالى غاية أفكار مَن جعله غايةً وتفكّر فيه، والمعنى المقصود- أعني ذات الحقّ- غير ما هو غاية أفكارهم ومصنوع عقولهم؛ إذ غاية ما يصل [إليه] أفكارهم ويحصل في أذهانهم موصوف بالصفات الزائدة الإمكانيّة، وكلّ موصوف كذلك مصنوع.
الخامس: ما صحّفه بعض الأفاضل حيث قرأ: «عانة من عاناه» أي الاسم ملابس من لابسه؛ قال في النهاية: معاناة الشيء: ملابسته ومباشرته. [١]
أو مهمّ من اهتمّ به؛ من قولهم: عنيت به فأنا عانٍ، أي اتّهمت به واشتغلت؛ أو أسيرٌ من اسره. وفي النهاية: «العاني: الأسير، وكلّ من ذلّ واستكان وخضع فقد عنا يعنو، فهو عانٍ». [٢]
أو محبوس من حبسه. وفي النهاية: «وعَنّوا بالأصوات أي احبسوها». [٣] والمعنى أي المقصود بالاسم غير الغاية أي غير ما نتصوّره ونعقله.
ثمّ اعلم أنّه على بعض التقادير يمكن أن يقرأ «واللَّهِ» بالكسر بأن يكون الواو واوَ القسم.
قوله: «غير موصوف بحدّ» أي الحدود الجسمانيّة، أو الصفات الإمكانيّة، أو الحدود العقليّة.
وقوله: «مسمّى» صفة بحدّ للتعميم، كقوله تعالى: «لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً» [٤]، ويُحتمل أن يكون المراد أنّه غير موصوف بالصفات التي هي مدلولات تلك الأسماء، وقيل: هو خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف.
قوله: «لم يتكوّن فيعرف كينونته بصنعٍ غيره» قيل: المراد أنّه لم يتكوّن فيكونَ محدثاً بفعل غيره، فيعرفَ كينونته وصفات حدوثه بصنع صانعه كما تعرف المعلولات بالعلل.
أقول: لعلّ المراد أنّه غير مصنوع حتّى يُعرف بالمقايسة إلى مصنوعٍ آخر، كما يعرف المصنوعات بمقايسة بعضها إلى بعض، فيكون الصنع بمعنى المصنوع و «غيره» صفة له، أو أنّه لا يُعرف بحصول صورة هي مصنوعة لغيره؛ إذ كلّ صورة ذهنيّة مصنوعةٌ للمدرك، معلولة له.
[١]. النهاية، ج ٣، ص ٣١٤ (عنا).
[٢]. النهاية، ج ٣، ص ٣١٤ (عنا).
[٣]. النهاية، ج ٣، ص ٣١٥ (عنا).
[٤]. الإنسان (٧٦): ١.