الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٤٤١ - شرح الخطبة من كتاب بحار الأنوار
قال الفاضل شارح التوحيد:
ذلك إشارة إلى دلالة المتفرّق على المفرّق، والمؤتلف على المؤلّف، فالزوجان أعمّ من أن يكونا ضدّين؛ إذ كمال التباين من أنحاء التشاكل، أو يكونا جنساً وفصلًا، أو مهيّة ووجوداً، أو إمكاناً ووجوباً، أو قوّة وفعليّة، أو عقلًا ونفساً، أو صورةً ومادّةً، أو ذكراً وانثى، إلى غير ذلك من الازدواجات الواقعة بين الأشياء الممكنة، إذ الممكن زوج تركيبي، والتركيب مؤذن بالفقر، واللَّه تعالى جعل الممكن كذلك ليتذكّر اولوا الألباب أنّه سبحانه منزّه عن جميع أنحاء التركيب، منزّه عن اتّخاذ الصاحبة والشريك. [١]
قوله ٧: «ففرّق بها بين قبل وبعد ليعلم أن لا قبل له ولا بعد».
قال الفاضل شارح كتاب التوحيد:
الباء إمّا للظرفيّة- أي فرّق في الأشياء بين قبل وبعد- وإمّا للسببيّة، أي بسببها؛ لأنّها معنى تحقّق القبليّة والبعديّة. والمعنى أنّ اللَّه تعالى بسبب إيجاد الموجودات ميّز بين القبل والبعد؛ إذ لو لم يوجد الأشياء على الترتيب السببي والنظم الطبيعي لم يتحقّق القبليّة والبعديّة، فتحقّق القبل والبعد إنّما يكون بوجود الأشياء، أمّا هو سبحانه فهو قبل القبل بلا قبل؛ بمعنى أنّه موجد القبل في الأشياء، فلا أثر للقبليّة فيه، ولذلك دلّت القبليّة والبُعديّة على أنّه سبحانه لا يوصف بهما؛ إذ فاعل الشيء لا يوصف به، فكما أنّه موجود لا كالموجودات، وشيء لا كالأشياء، فهو قبل لا كالشيء الذي هو بعد، وكذلك في سائر الأحكام؛ وهذا هو التوحيد الحقيقي، فافهم.
وهذا الذي قلنا إنّما هو على ما يكون قبل وبعد في المقامين بمعنى القبليّة والبعديّة، وهو حقّ المعنى. ويُحتمل أن يكون بمعنى الشيء ذي القبليّة والبعديّة، فالمعنى أنّه فرّق بين المتأخّر والمتأخَّر بأن جعل قبل الثاني، والثاني بعد الأوّل ليعلم أن لا شيء قبله ولا شيء بعده؛ إذ لو كان كذلك لزم أن يكون لذلك علّة، فإن كانت العلّة هو عزّ شأنه فهو المتقدّم؛ هذا خلف. وإن كان ذلك المتقدّم فهو أولى بالالوهيّة، وإن كانت ثالثاً فكذلك، مع أنّه ثبت بالبراهين انتهاء العلل إليه سبحانه. [٢]
[١]. شرح توحيد الصدوق، ج ١، ص ١٦١.
[٢]. المصدر، ج ١، ص ١٦١- ١٦٢.