الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٤٠٥ - باب جوامع التوحيد
ابتداء غيره وأدوه [١] إيّاهم دليل على أن لا أداة [٢] فيه؛ لشهادة الأدوات بفاقة المادين.
فأسماؤه تعبير، وأفعاله تفهيم، وذاته حقيقة، وكنهه تفريق بينه وبين خلقه، وغيوره تحديد لما سواه، فقد جهل اللَّه من استوصفه، وقد تعدّاه من اشتمله، وقد أخطأه من اكتنهه، ومن قال: «كيف» فقد شبّهه، ومن قال «لِمَ» فقد علّله، ومن قال «متى» فقد وقّته، ومن قال «فيمَ» فقد ضمّنه، ومن قال «إلىم» فقد نهاه، ومن قال «حتىم» فقد غيّاه، ومن غيّاه فقد غاياه، ومن غاياه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد وصفه، ومن وصفه فقد ألحد فيه، لا يتغيّر اللَّه بانغيار المخلوق، كما لا ينحدّ [٣] بتحديد المحدود.
أحدٌ لا بتأويل عدد، وظاهر لا بتأويل المباشرة، متجلٍّ لا باستهلال رؤية، باطن لا بمزايلة، مباين لا بمسافة، قريبٌ لا بمداناة، لطيفٌ لا بتجسّم، موجودٌ لا بعدَ عدم، فاعل لا باضطرار، مقدّر لا بحول فكرة، مدبّر لا بحركة، مريد لا بهمامة، شاءٍ لا بهمّة، مدرك لا بمجسّة، سميع لا بآلة، بصير لا بأداة؛ لا تصحبه الأوقات، ولا تضمّه الأماكن، ولا تأخذه السِّنات، ولا تحدّه الصفات، ولا تقيّده الأدوات، سبق الأوقاتَ كونُهُ، والعدمَ وجودهُ، والابتداءَ أزله؛ بتشعيره المشاعر عُرف أن لا مشعر له، وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له، وبمضادّته بين الأشياء عرف أن لا ضدّ له، وبمقارنته بين الامور عرف أن لا قرين له.
ضادَّ النور بالظلمة، والجلاية بالبهم والجسو بالبلل، والصرد بالحرّ، ومؤلّف بين متعادياتها، مفرّق بين متدانياتها، دالّة بتفريقها على معرفتها، وبتأليفها على مؤلّفها، ذلك قوله جلّ وعزّ: «وَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» [٤]؛ ففرّق بها بين قبل وبعد ليعلم أن لا قبل له ولا بعد، شاهدة بغرائزها أن لا غريزة لمغرزها، دالّة بتفاوتها أن لا تفاوت لمفاوتها، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقّتها، حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه وبينها غيرها، له معنى الربوبيّة إذ لا مربوب، وحقيقة الإلهيّة إذ لا
[١]. في المصدر: «وأدوات».
[٢]. في المصدر: «أدوات».
[٣]. في المصدر: «لايتحدّد».
[٤]. الذاريات (٥١): ٤٩.