الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٦٢٣ - باب ما يُفصَل بين دعوى المحقّ و المبطل في أمر الإمامة
ويجب أن يكون جامعاً لعلم الدين كلّه ليمكن التمسّك به، والأخذ بقوله فيما اختلفت فيه الامّة وتنازعته من تأويل الكتاب والسنّة، ولأنّه إن بقي شيء لا يعلم لم يمكن التمسّك به فيه، ثمّ متى كان بهذا المحلّ لم يكن مأموناً على الكتاب، ولم يؤمن أن يغلط، فيضع الناسخ منه مكان المنسوخ، والمحكم مكان المتشابه، والندب مكان الحتم، إلى غير ذلك ممّا يكثر تعداده.
وإذا كان هذا هكذا، صار الحجّة والمحجوج سواءً، وإذا فسد هذا القول صحّ ما قالت الإماميّة من أنّ الحجّة من العترة لا يكون إلّاجامعاً لعلم الدين، معصوماً مؤتمناً على الكتاب. فإن وجدت الزيديّة في أئمّتها مَن هذه صفته فنحن أوّل من ينقاد له، وإن يكن الاخرى فالحقّ أولى ما اتّبع.
وقال شيخ من الإماميّة: إنّا لم نقل إنّ الحجّة من ولد فاطمة ٣ قولًا مطلقاً، بل قلناه بتقييد وشرائط، ولم نحتج لذلك بهذا الخبر فقط، بل احتججنا به وبغيره، فأوّل ذلك أنّا وجدنا النبيّ ٦ قد خصّ من عترته أهل بيته أمير المؤمنين والحسن والحسين : بما خصّ ودلّ على جلالة خطرهم وعِظَم شأنهم وعلوّ حالهم عند اللَّه عزّ وجل بما فعل بهم في الموطن بعد الموطن والموقف بعد الموقف بما شهرته تغني عن ذكره بيننا وبين الزيديّة، ودلّ اللَّه- تعالى ذكره- على ما وصفناه من علوّ شأنهم بقوله: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» [١] وبسورة هل أتى، وما يشاكل ذلك؛ فلمّا قدّم ٧ هذه الامور وقرّر عند امّته أنّه ليس في عترته من يتقدّمهم في المنزلة والرفعة ولم يكن ٧ ممّن ينسب إلى المحاباة ولا ممّن يوالي ويقدّم إلّاعلى الدين، علمنا أنّهم : نالوا ذلك منه استحقاقاً بما خصّهم به، فلمّا قال بعد ذلك كلّه: «قد خلّفت فيكم الثقلين: كتاب اللَّه وعترتي» علمنا أنّه عنى هؤلاء دون غيرهم؛ لأنّه لو كان من عترته من له هذه المنزلة لخصّه ٧ ونبّه على مكانه ودلّ على موضعه؛ لئلّا يكون فعله بأمير المؤمنين والحسن والحسين : محاباةً، وهذا واضح بيّن والحمد للَّه. ثمّ دلّنا على أنّ الإمام بعد أمير المؤمنين ٧ الحسن استخلاف أمير المؤمنين ٧ إيّاه واتّباع أخيه له طوعاً.
[١]. الأحزاب (٣٣): ٣٣.