الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٦٢٢ - باب ما يُفصَل بين دعوى المحقّ و المبطل في أمر الإمامة
لآثار السلف وأحوال الصحابة التابعين، ومع ذلك يُعارضونا ويردّون علينا دلائلنا، ويقيمون على ما ذهبوا إليه دلائل يزعمون أنّهم راعوا فيها جانب العدل والإنصاف، وجانبوا التقوّل والبغي والاعتساف؛ فها نحن ذاكروا مقالاتهم واعتراضاتهم واستدلالاتهم لينظر فيها بعين الإنصاف من لم يُمْرِض قلبَه حبُّ طريقة الآباء والأسلاف «فإنّ من عَشِقَ شيئاً أعْشى بصرَه وأمرض قلبَه فهو ينظر بعينٍ غيرِ صحيحة، ويسمع باذنٍ غيرِ سميعة» كما في حديث أمير المؤمنين ٧ في نهج البلاغة [١].
في أوائل كتاب إكمال الدين وإتمام النعمة للصدوق أبي جعفر محمّد بن بابويه القمّي (قدّس اللَّه روحه ونوّر ضريحه):
وقال أبو جعفر محمّد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي في نقض كتاب الأشهاد لأبي زيد العلوي، قال صاحب الكتاب بعد أشياء كثيرة ذكرها لا منازعة فيها: وقالت الزيديّة والمؤتمّة [٢] الحجّة من ولد فاطمة ٣ لقول الرسول المجمع عليه في حجّة الوداع ويوم خروجه إلى الصلاة في مرضه الذي توفّي فيه: «أيّها الناس إنّي خلّفت فيكم كتاب اللَّه وعترتي ألا إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، ألا وإنّكم لن تضلّوا ما استمسكتم بهما». ثمّ أكّد صاحب الكتاب هذا الخبر، وقال فيه قولًا لا مخالفة فيه، ثمّ قال بعد ذلك:
إنّ المؤتمّة خالفت الإجماع وادّعت الإمامة في بطن من العترة، ولم توجبها لسائر العترة، ثمّ لرجل من ذلك البطن في كلّ عصر.
فأقول- وباللَّه الثقة-: إنّ في قول النبيّ ٦ على ما يقوله الإماميّة حجّةً واضحةً، وذلك أنّ النبيّ ٦ قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي» دلّ على أنّ الحجّة ليس من العجم ولا من سائر قبائل العرب، بل من عترته أهل بيته، ثمّ قرن قوله بما دلّ به على مراده، فقال: «ألا وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» فأعلَمَنا أنّ الحجّة من عترته لا يفارق الكتاب، وإنّا متى نتمسّك من لا يفارق الكتاب لن نضلّ.
ومن لا يفارق الكتاب- ممّن فرض اللَّه على الامّة أن يتمسّكوا به- يجب في العقول أن يكون عالماً بالكتاب، مأموناً عليه بعلم ناسخه من منسوخه، وخاصّه من عامّه، وحتمه من ندبه، ومحكمه من متشابهه؛ ليضع كلّ شيء من ذلك في موضعه الذي وضعه اللَّه عزّ وجلّ، لا يقدّم مؤخّراً، ولا يؤخّر مقدّماً.
[١]. نهج البلاغة، ص ١٥٩، الخطبة ١٠٩.
[٢]. يعني الإمامية الاثنى عشرية.