الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٦٢٧ - باب ما يُفصَل بين دعوى المحقّ و المبطل في أمر الإمامة
ورسوله عليه، وما كان سبيله أن يستخرج فقد وكل إلى العلماء، وجعل بعض القرآن دليلًا على بعض، فاستغنينا بذلك عمّا تدعون به من التوقيف والموقف.
قيل له: لا يجوز أن يكون ذلك على ما وصفتم؛ لأنّا نجد للآية الواحدة تأويلين متضادّين كلّ واحد منهما يجوز في اللغة يحسن أن يتعبّد اللَّه به، وليس يجوز أن يكون للمتكلّم الحكيم كلام يحتمل أمرين متضادّين.
فإن قال: ما تنكر أن يكون في القرآن دلالة على أحد المرادين، وأن يكون العلماء بالقرآن متى تدبّروه علموا المراد بعينه دون غيره.
فيقال للمعترض بذلك: أنكرنا هذا الذي وصفته؛ لأنّا نخبرك به: ليس تخلو تلك الدلالة التي في القرآن على أحد المرادين من أن تكون محتملة، للتأويل أو غير محتملة، فإن كانت محتملة للتأويل فالقول فيها كالقول في هذه الآية، وإن كانت لا تحتمل التأويل فهي إذن توقيف نصّ على المراد بعينه، وليس يجب أن يشكل على أحد عَلِم اللغة معرفةُ المراد، وهذا ممّا لا ينكر في العقول، وهو من فعل الحكيم جائز حسن، ولكنّا إذا تدبّرنا آي القرآن لم نجد هكذا، ووجدنا الاختلاف في تأويلها قائماً بين أهل العلم بالدين واللغة، ولو كان هناك آيات تفسّر آياتٍ تفسيراً لا يحتمل التأويل، لكان فريق من المختلفين في تأويله من العلماء باللغة معاندين، ولأمكن كشف أمرهم بأهون السعي، ولكان من تأوّل الآية خارجاً عن اللغة ومن لسان أهلها؛ لأنّ الكلام إذا لم يحتمل التأويل فحملته على ما لايحتمله خرجت عن اللغة التي وقع الخطاب بها؛ فدلّونا يا معشر الزيديّة على آية واحدة اختلف أهل العلم في تأويلها في القرآن ما يدلّ نصّاً وتوقيفاً على تأويلها، وهذا أمر متعذّر، وفي تعذّره دليل على أنّه لابدّ للقرآن من مترجم يعلم مراد اللَّه فيخبر به. وهذا عندي واضح [١].
وقال [٢] بعد ذكر أسئلة وأجوبة:
ثمّ يقال: إنّه أنّا إنّما علمنا أنّ في العترة من يعلم التأويل، ويعرف الأحكام بخبر النبيّ ٦ الذي قدّمنا، وبحاجتنا إلى من يعرّفنا المراد من القرآن، ومن يفصّل بين أحكام اللَّه وأحكام الشيطان، ثمّ علمنا أنّ الحقّ في هذه الطائفة من ولد الحسين؛ لما رأينا أنّ كلّ
[١]. كمال الدين، ص ٩٤- ١٠٠.
[٢]. أي شيخ الإماميّة أو أبو جعفر ابن قبة (منه).