الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٥٤ - باب حدوث العالم و إثبات المحدث
انتهى كلامه (صلوات اللَّه عليه وسلامه)، وفيه دلالات على تعيّن ما فسّرنا به الاشتباه كما لا يخفى على البصير.
فإن قلت: إنّك قد قرّرت أنّ قوله ٧: «والليل والنهار يلجان» مع ما عطف على يلجان جملةٌ حاليّة، فهل هي حال عن الشمس والقمر كليهما، أو ذكر القمر استطراديّ تمهيداً لقوله: «قد اضطرّا»؟
قلت: الظاهر الأوّل؛ إذ كما أنّ الشمس لها مدخل في وجود النهار، كذلك القمر له مدخل في وجود الليل؛ لأنّ أكثر الليالي ليست تحت الظلمة، بل ظلمة مختلطة بنور القمر، فالشمس والقمر معاً في معرض الإبصار والاعتبار والِجاً كلّ من أثريهما- أعني الظلمة المخصوصة والضياء المخصوص المعبّر عنهما بالليل والنهار- في صاحبه ولوجاً لا يشتبهان، ويستأنفان ذلك بعد إتمام السنة.
وقوله ٧: «قد اضطرّا» استئنافٌ، الاستئنافَ الذي في قول الشاعر: «سهر دائم وحزن طويل» [١] أعني جواب عن السؤال عن مطلق السبب، كأنّ قائلًا يقول: ما بالهما وهذه حالهما؟ فاجيب بأنّهما مضطرّان.
في القاموس: «الاضطرار: الاحتياج إلى الشيء. واضطرّه اللَّه إليه: أحوجه وألجأه؛ فاضطُرّ، بضمّ الطاء». [٢]
واعلم أوّلًا أنّ الزنادقة فِرَق كثيرة، وآراؤهم مختلفة، فبالحريّ أن نفصّلها بعضَ التفصيل؛ ليظهر تقابل المدلول والدليل، فنقول:
إنّ جماعة من منكري مدبِّر العالم كانوا أصحاب الخليط، وهم الذين رأيهم الخبيث أنّ أجزاء الأنواع كانت مبثوثةً في الجوّ متصغّرةً متحرِّكة بلا نظام، فاتّفق أن صادف عدّة أجزاء من نوعٍ عدّةً من نوعها، فالتأمت، وبهذا الوجه تولّدت عدّة أشخاص الحيوان،
[١]. صدره هكذا: «قال لي كيف أنت قلت عليل». انظر: مختصر المعاني للتفتازاني، ص ١٥٢.
[٢]. القاموس المحيط، ج ٢، ص ٧٥ (ضرر).