الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٣١١ - باب إطلاق القول بأنّه شيء
وفي خطبة اخرى: «لم يَتَقَدَّمْه وقتٌ ولا زمانٌ، ولم يتعاوَرْه زيادةٌ ولا نقصانٌ، بل ظَهَرَ للعقولِ بما أرانا من علامات التدبيرِ المُتْقَنِ والقضاءِ المُبْرَمِ، فمِنْ شواهد خَلْقِه خَلْقُ السماواتِ مُوَطِّداتٍ بلا عَمَدٍ، قائماتٍ بلا سَنَدٍ» الخطبة. [١]
وفيما ذكرنا من الآيات والروايات تنبيهات وتلويحات على أنّ فطريّة المعرفة الواردة في الأخبار الكثيرة إنّما هي بمعنى حصول موجبات المعرفة من فُشُوّ آثار الصنع والتدبير في جميع أجزاء العالم، وظهورها لكلّ من له حظٌّ من العقل وقسطٌ من التمييز، وما قيل من أنّه بمعنى خلق المعرفة بلا مدخليّة مشاهدة الآثار، فلعلّه رجمٌ بالغيب.
وفي كتاب الإهليلجة للصادق ٧: «والعجب من مخلوقٍ يزعم أنّ اللَّه يخفى على عباده، وهو يرى أثر الصنع في نفسه بتركيبٍ يبهر عقله، وتأليفٍ يبطل حجّته» الحديث. [٢]
والفرق بين قولنا بفطريّة هذا القدر من المعرفة- أعني معرفة أنّ لنا خالقاً عليماً قادراً- وبين قول جماعة بنظريّته أنّ قياسنا الموجب للتصديق من نوع قياسٍ معروفٍ موسومٍ بين العلماء بالقياس الفطري، ومعلومنا من النتائج المسمّاة بينهم بقياساتها معها، فلا تحتاج إلى تجشّم الحركتين المعتبرتين في النظريّات.
نعم، قد يغشى بعض النفوس يوم الغفلة، فيحتاج إلى التنبيه والتذكير، كما قال تعالى: «أَ فَلا تَذَكَّرُونَ» [٣]؛ «أَ فَلا يُبْصِرُونَ» [٤]؛ «أَ فَلا يَنْظُرُونَ» [٥]؛ «إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ» [٦]؛ «فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى» [٧]؛ «وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ» [٨]، وعلى ذلك يحمل قوله تعالى: «أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ» [٩]، وقول أمير المؤمنين ٧: «لا تَستطيعُ عقولُ
[١]. نهج البلاغة، ص ٢٦٠، الخطبة ١٨٢.
[٢]. بحار الأنوار، ج ٣، ص ١٥٢.
[٣]. يونس (١٠): ٣.
[٤]. السجده (٣٢): ٢٧.
[٥]. الغاشية (٨٨): ١٧.
[٦]. ق (٥٠): ٣٧.
[٧]. الأعلى (٨٧): ٩.
[٨]. الذاريات (٥١): ٥٥.
[٩]. الأنعام (٦): ٥٠.