الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٤٦٢ - باب المشيئة و الإرادة
على طاعة أو معصية، وهذه هي المنفيّة في الأخبار.
وأمّا إرادة العزم فهي الطلب التكليفي، أعمّ من أن تجري الإرادة الحتميّة على وفقها أو على خلافها، وإرادة العاصي تغلب هذه الإرادة إن جرت الإرادة الحتميّة على الغلبة؛ إذ لولا توجيه اللَّه تعالى إلى العبد ما يعلم هيجان إرادته معه وتيسير أسباب مخالفة ذلك الطلب، لما وقعت المخالفة.
إذا عرفت هذا فقوله ٧: (نهى آدمَ وزوجَتَه أن يأكُلا من الشجرةِ وشاءَ ذلك) [ح ٤/ ٣٩٠] المقصودُ ذكر مثال لإرادة عزميّة جرت الحتميّة على خلافها، وبيان أنّ غلبة مشيّتهما على مشيّة اللَّه العزميّة- وهي في المثال المذكور النهي عن الأكل- إنّما هي بمعونة تلك المشيّة الحتميّة المتعلّقة بالأكل، وإلّا لما حصلت الغلبة؛ إذ ليس العبد- وإن اعطي القدرةَ التي نسبتها إلى الفعل والترك سواء- مفوّضاً إليه في أمر الإرادة، بأن لا يشترط هيجانها من نفسه بتوجيه اللَّه ما تهيّج به، فإذن لا يكون الأمر كما قال اللَّه تعالى:
«وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ» [١]، بل يكون العبد مستقلّاً بعد إقدار اللَّه تعالى بالإرادة كلّا، وليس تهيئة الأسباب مُلجئاً للعبد مضطرّاً له، بل هي شرط لهيجان الإرادة، والشرط ليس بملزِم ومؤثّر، بل المؤثّر هو الذات المعيّن المخصوص الذي علم اللَّه في الأزل أنّه يريد الفعل مع شرط كذا، فالعبد من حيث إنّه هو المريد بدون الإلزام والإجبار، فليس بمجبور، ومن حيث إنّه ليس بمجرّد الإقدار مستقلّاً، بل إنّما يشاء بالفعل، ويفعل ما يشاء بإرادة اللَّه ومشيّته التي هي التوجيه والتيسير المذكوران، فليس بمفوّض إليه، فالأمر بين الأمرين. وقد قلت في المثنوي الموسوم ب «نان وپنير» (نظم):
امر و نهىِ عقلى و شرعى ز رب* * * شرط فعل اين و آن دان، نه سبب
شرط اصلًا موجب مشروط نيست* * * ليك از بهر وجودش بودنى است
گر نيابد بارش عام از سما* * * از زمين كى رويد اقسام گيا
گل بفيض عام رويد از زمين* * * ليك اين باشد چنان و آن چنين
[١]. الإنسان (٧٦): ٣٠.