الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٤٥٦ - باب البداء
المتعلّق، ويُحتمل أن يكون المراد بها تسبيبَ الأسباب الخارجيّة في عالَم غير عالم الحسّ، إلّا أنّ تلك الأسباب لابدّ أن تستند بالأخرة إلى اعتبارات في العلم؛ والعلم عند اللَّه.
فإن قلت: كيف يجمع القول بإمكان وقوع البداء فيما عدا الإمضاء مع القول بعدم تخلّف الكون والوجود عمّا شاء اللَّه على الوجه الذي شاء؟
قلت: لا تدافع بينهما بعد تحقيق معنى البداء، فاعلم أنّ عندنا ما نعلم بالعلم العادي؛ إذ يتأدّى إلى وجود شيء كإمرار السكّين المشحوذة [١] على قوّة بالحلق المتأدّى إلى إزهاق الروح، وإلقاء ذوي الروح في أتُّونٍ [٢] مشتعل أشدَّ الاشتعال المتأدّى إلى الاحتراق، فبحسب ما يعدّ من الشرائط العاديّة الظاهرة، فعلم بمقتضى أخبار الصادقين : تحقّق الشرائط الباطنة في الواقع- أعني الخصال السبع- ونحكم باقتراب وجود ذلك الشيء، حتّى إذا تواتر علينا تحقّق تمام الشرائط العاديّة الظاهرة، علمنا علماً عاديّاً بوجوده، وحكمنا بتحقّق جميع تلك الخصال، وربما نرى العادة قد انخرقت ولم يترتّب الوجود على الأسباب الظاهرة مع تمامها، أو انقطعت وما تأدت، فيقال: «بدا للَّهفيه» ولا يريد بذلك العارفون بأمر اللَّه معناه اللغويَّ، لعلمهم بتعاليه عن أن يظهر له أمر كان مخفيّاً عليه فيتغيّرَ رأيه، بل يقولون ذلك على ضرب من التوسّع.
بيان ذلك: أنّه قد سبق أنّ اللَّه تعالى علم في معلوماته جميع ما استحقّ الوجود على وجه مخصوص، فهو على ذلك الوجه لازم الوجود؛ إذ الجود المطلق لا يستدعي سوى الاستحقاق، فما استحقّ الوجود بوجه فهو يوجَد على ذلك الوجه لا محالة، وما لم يستحقّ لا يوجَد أبداً، فما دخل في الوجود في عالم الحسّ أو غير الحسّ من لفظ أو كتابة ونقش من قِبل اللَّه أنّه يكون كذا وكذا في وقت كذا، وهو في علم اللَّه تعالى ممّا لا يكون، أو وجد ما يتراءى أنّه سبب لوجود شيء، أو متأدّ إلى وجود شيء، ولم يترتّب عليه وجود ذلك انقطعت الوسائط، وما تأدّت فقد علم اللَّه تعالى في الأزل أنّه استحقّ
[١]. شحَذ السكينَ والسيفَ: أحَدَّه بالمِسَنِّ وغيره مما يُخرج حَدَّه. لسان العرب، ج ٣، ص ٤٩٣ (شحذ).
[٢]. الأتُّون: الموقِد. لسان العرب، ج ١٣، ص ٧ (أتن).