الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٩٤ - باب حدوث العالم و إثبات المحدث
وعلى الأوّل يلزم اجتماع المؤثّرين التامّين على معلول واحد شخصي.
وعلى الثاني يلزم عجزهما؛ لأنّه لا يمكن لهما التأثير إلّاباشتراك الآخر.
وعلى الثالث لا يكون الآخر خالقاً، فلا يكون إلهاً؛ أفمن يخلق كمن لا يخلق؟
لا يقال: [إنّما] يلزم العجز إذا انتفت القدرة على الإيجاد بالاستقلال؛ أمّا إذا كان كلّ واحد منهما قادراً على الإيجاد بالاستقلال ولكن اتّفقا على الإيجاد بالاشتراك فلا يلزم العجز، كما أنّ القادرين على حمل خشبة بالانفراد قد يشتركان في حملهما، وذلك لا يستلزم عجزهما؛ لأنّ إرادتهما تعلّقت بالاشتراك، وإنّما يلزم العجز لو أرادا الاستقلال ولم يحصل.
لأنّا نقول: تعلّق إرادة كلّ منهما إن كان كافياً لزم المحذور الأوّل، وإن لم يكن كافياً لزم المحذور الثاني، والملازمتان بيّنتان لا تقبلان المنع، وما أوردتم من المثال في سند المنع لا يصلح للسنديّة؛ إذ في هذه الصورة ينقص ميل كلّ واحد منهما من الميل الذي يستقلّ في الحمل قدر ما يتمّ الميل الصادر عن الآخر حتّى ينقل الخشبة بمجموع الميلين، وليس كلّ واحدٍ منهما بهذا القدر من الميل فاعلًا مستقلّاً.
وفي مبحثنا هذا ليس المؤثّر إلّاتعلّق القدرة والإرادة، ولا يتصوّر الزيادة والنقصان في شيءٍ منهما.
السادس: أنّ كلّ من جاء من الأنبياء وأصحاب الكتب المُنزلة إنّما ادّعى الاستناد إلى واحد استند إليه الآخر، ولو كان في الوجود واجبان لكان يخبر مخبر من قبله بوجوده وحكمه، واحتمال أن يكون في الوجود واجب لا يرسل إلى هذا العالم، أو لا يؤثّر ولا يدبّر أيضاً فيه مع تدبيره ووجود خبره في عالم آخر أو عدمه ممّا لا يذهب إليه وَهْمُ واهمٍ؛ فإنّ الوجوب يقتضي العلم والقدرة وغيرهما من الصفات، ومع هذه الصفات الكماليّة يمتنع عدم الإعلام ونشرِ الآثار بحيث يبلغ إلينا وجوده.
وأمّا ما زعمت الثنويّة من الإله الثاني، فليس بهذه المثابة وممّا يرسل ويحكم فيهم، وإن قالوا بوجود واجب آخر فقد نفوا لازمه، فهو باطل بحكم العقل.
وقد أثبتنا في كتاب الروضة فيما أوصى به أمير المؤمنين ابنه الحسن- (صلوات اللَّه عليهما)- ما يؤمي إلى هذا الدليل حيث قال ٧: «واعلم أنّه لو كان لربّك شريك لأتتك رسله، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه، ولعرفت صفاته وأفعاله، ولكنّه إلهٌ واحدٌ كما وصف