الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٩٢ - باب حدوث العالم و إثبات المحدث
وعلى الثاني يلزم الاحتياج إلى الغير والإمكان.
وبالجملة، لو كان الواجب متعدّداً، لكان نسبة الوجوب إليهما نسبةَ العوارض، فكان ممكناً لا واجباً.
الثالث: أنّه لو كان للَّهسبحانه شريك، لكان لمجموع الواجبين وجود غير وجود الآحاد- سواء كان ذلك الوجود عين مجموع الوجودين، أو أمراً زائداً عليه- ولكان هذا الوجود محتاجاً إلى وجود الأجزاء، والمحتاج إلى الغير ممكنٌ محتاج إلى المؤثّر، والمؤثّر في الشيء يجب أن يكون مؤثّراً في واحدٍ من أجزائه، وإلّا لم يكن مؤثّراً في ذلك الشيء، وقد ادّعوا الضرورة فيه، ولا يمكن التأثير فيما نحن فيه في شيءٍ من الأجزاء؛ لكون كلّ من الجزءين واجباً، فالشريك يستلزم التأثير فيما لا يمكن التأثير فيه، أو إمكانَ ما فرض وجوبه، إلى غير ذلك من المفاسد.
الرابع: برهان التمانع. وأظهر تقريراته: أنّ وجوب الوجود يستلزم القدرة والقوّة على جميع الممكنات قوّةً كاملةً بحيث يقدر على إيجاده ودفع ما يضادّه مطلقاً، وعدمُ القدرة على هذا الوجه [نقصٌ] والنقصُ عليه تعالى محال ضرورةً؛ بدليل إجماع العقلاء عليه، ومن المُحال عادةً إجماعهم على نظري وإن لم يكن ضروريّاً فنظري ظاهر متّسق الطريق، واضح الدليل، واستحالة إجماعهم على نظري لا يكون كذلك أظهرُ، فنقول حينئذٍ: لو كان [في الوجود] واجبان لكانا قويّين، وقوّتهما تستلزم عدم قوّتهما؛ لأنّ قوّة كلّ منهما على هذا الوجه تستلزم قوّته على دفع الآخر عن إرادة ضدّ ما يريد نفسه من الممكنات، والمدفوع غير قويّ بهذا المعنى [الذي زعمنا أنّه لازم لسلب النقص].
فإن قلت: هذا إنّما يتمّ لو كان إرادة كلّ منهما للممكن بشرط إرادة الآخر لضدّه ممكناً وبالعكس، وليس كذلك، بل إرادة كلّ منهما له بشرط إرادة الآخر لضدّه ممتنع، ونظير ذلك أنّ إرادة الواجب للممكن بشرط وجود ضدّه محال، ولا يلزم منه نقص.
قلت: امتناع الإرادة بشرط إرادة الآخر هو الامتناع بالغير، وامتناعه بالغير يحقّق النقص والعجز؛ تعالى عن ذلك.
وأمّا امتناع إراده الشيء بشرط وجود ضدّه، فمن باب امتناع إرادة المحال الذاتي، وإن كان [امتناع الإرادة] امتناعاً بالغير؛ ومثله غير ملزوم للنقص، بخلاف ما نحن فيه؛ فإنّ المراد ممتنع بالغير.