الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٥٩١ - باب الإشارة و النصّ على عليّ بن الحسين
مناظريهم الموعودين بالبرّ والصلة مبكمين بعد يسير من المناظرة، مسلّمين لبراهينهم :، معترفين ببطلان دينهم عاجزين- إذا أوردوا : الاعتراضات- عن الجواب، مسترشدين منهم : منهج الصدق والصواب، كما هو مشهور من قصّة عمران الصابي وسليمان المروزي ويحيى بن أكثم وأضرابهم، وأيّ سبيل كان لهؤلاء الظلمة أقرب إلى المراد من أن يقولوا لهم :: إنّ علومكم التي تستمحون لأجلها، وتدّعون وراثتها عن النبيّ ٦ مأخوذة من فلان الفقيه، أو فلان المتكلّم؛ لأنّ أباكم الذي هو أقدمكم فيها كان تلميذاً له لو كان الواقع ذلك، ولمعري إنّهم ما أعرضوا عن سلوك هذا السبيل القريب إلّا لعلمهم بتوجّه سهام التكذيب من كلّ بليد و لبيب.
وإذا تقرّر أنّ علم الباقر ٧ لم يكن من جهة التلمّذ، بل كان من جهة الوراثة، تبيّن كمال علم أبيه عليّ بن الحسين ٨، وبنحو التقريب المذكور علم أنّه ورث عن أبيه عن عمّه عن أمير المؤمنين ٧ عن رسول اللَّه ٦، ولم يخرج عن محمّد بن الحنفيّة ولا عن غيره من بني الحسن- رضي اللَّه عنهم- ما يظنّ به وراثة العلم، بل كان الصالح منهم مقلّد الإمامة مستنداً إليه في أحكامه، والطالح منهم موافقاً لعلماء العامّة في العمل بالرأي والقياس وسائر وجوه الاستنباطات الظنّيّة والاستحسانات العقليّة، كما هو مشهور بين فرق الزيديّة حتّى أنّهم لمّا رأوا أبا حنيفة أعلم من أئمّتهم وأعرف بفنّ القياس منهم بنوا بناء العمل بفقهه، واعترفوا بأنّ أئمّتهم لم يكونوا أصحاب النصّ كأئمّتنا :.
فثبت أنّ عليّ بن الحسين ٧ من بين هؤلاء هو الوارث للعلوم النبويّة، فكان هو المستحقّ للإمامة والرئاسة على الامّة؛ لما عرفت أنّ مناط الإمامة والخلافة هو العلم، و إنّى واللَّه شاهد عليّ فرضت نفسي قد استبصرت بحقّيّة الإسلام، وأنا نشأت بين فرقة من فرق الكفر، فخرجت إلى بلاد المسلمين فوجدت المسلمين مختلفين، ففحصت عن أحوالهم واصولهم في الاعتقادات والأعمال، ثمّ حكّمت العقل في اختيار مذهب من تلك المذاهب لأحتجّ بذلك يوم ألقى اللَّه عزّوجلّ، فما حكم عقلي بعد الاطّلاع بحقيقة المذاهب إلّابحقّيّة المذهب الفرقة الناجية الاثني عشريّة، وذلك لأنّي وجدت