الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٥٩٢ - باب الإشارة و النصّ على عليّ بن الحسين
العقل يستنكف أشدّ الاستنكاف من أن يقلّد جماعة عقيدتهم أنّ اللَّه تعالى فوّض شرائع دينه إلى ظنونهم وآرائهم، وليس له في الوقائع الحادثة حكم في الواقع، بل حكمه تابع لرأي المجتهد، فلمّا استقرّ عليه ظنّه فه ٢ ضير حكم اللَّه وإن كان رأي أحد مخالفاً لرأي الآخر، كما هو قانون التصويب، أو كان له ٧ في كلّ قضيّة حكم ولكن لم يبيّن لرسول اللَّه ٦، فيكون للمجتهدين مجال يجولون فيه بالتضنّي والتخمين، فإن أصابوا الواقع فلهم أجران، وإن أخطأوا فأجر واحد، كما هو قاعدة التخطئة، ويحكمون بما استقرّ عليه آراؤهم على دماء المسلمين وأموالهم وفروجهم، تبكي منهم المواريث، وتصرخ منهم الدماء، ويستحلّ بقضائهم الفرج الحرام، ترى أحدهم بكّر فاستكثر من جمعٍ، ما قلّ منه خير ممّا كثر، إذا ارتوى من آجنٍ، واكتنز من غير طائل، جلس بين الناس قاضياً ضامناً لتلخيص ما اشتبه على غيره [١]، لا يبالي أن يخالف رأي مَن كان قبله، ولا يأمن أن ينقض حكمه، ويعكس ما أخذ، وأعطى برأيه من يجيء بعده، فقلت ما قال الشاعر (شعر):
شرع اگر اينست وقاضى اين وقاضى زاده اين* * * الوداع اى باغ وبستان و سراگاه
وزمين
ووجدت المنتمين إلى الإسلام كلّهم إمّا مصوّبة أو مخطّئة إلّاالفرقة المحقّة الاثناعشريّة- مَدَّ اللَّه ظلالهم، وكثّر اللَّه أمثالهم- فإنّهم يقولون: إنّ دين اللَّه لا يُصاب بالقياس [٢]، وإنّ من طلب الدين بالقياس لم يزل دهرَه في ارتماس [٣]، وأنّ النبيّ ٦ لم يخرج من الدنيا إلى جوار اللَّه تعالى حتّى أكمل للُامّة دينهم، وليس قد تركهم في غياهب الجهالة وبوادي الضلالة تائهين عطشين، يعدو كلّ طائفة منهم بطمع الارتواء إلى سراب بقيعة، ويتبع كلّ فرقة تائهاً مثلهم رجاءَ الاهتداء إلى أرض مريعة، بل قد
[١]. اقتباس من الرواية المنقولة عن عليّ ٧ في الكافي، ج ١، ص ٥٤، باب البدع و الرأي و المقائيس، ح ٦.
[٢]. الكافي، ج ١، ص ٥٧، باب البدع و الرأي و المقائيس، ح ١٤؛ بصائر الدرجات، ص ١٤٦، ح ٢٣؛ و ص ١٤٩، ح ١٦.
[٣]. الكافي، ج ١، ص ٥٧، باب البدع و الرأي و المقائيس، ح ١٧؛ قرب الإسناد، ص ٧.