الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٨٤ - باب حدوث العالم و إثبات المحدث
لشرائط التأثير. وسيجيء في باب الاستطاعة زيادة بسط في أحوالها.
ثمّ إنّ متعلّق القدرة [١] في هذا المقام تدبير العالم على النهج الواقع، لا جزء من الأجزاء حتّى يتصوّر الشركة في تدبير الكلّ بدلالة قوله ٧: «ويتفرّد بالتدبير».
وإذ قد ظهر معنى القوّة علم أنّ القديمين القويّين من المستحيلات؛ لأنّ دفع كلّ واحدٍ منهما اللازمَ للقوّة بالمعنى المذكور- وقد أشار ٧ إليه بقوله: «فلِمَ لايدفع» إلى آخره- يستلزم دفعَ المغلوب حين هو مغلوب للغالب، والدفع في صورة التكافؤ غير معقول، فكيف في صورة المغلوبيّة؟
فكأنّه ٧ يقول: إنّ كون القديمين قويّين مستحيل هذا، وأمّا الضعيفان فإذ كان كلّ منهما فاقدَ الاستطاعة على تدبير العالم، فيجوز في جليل النظر أن يكونا واقعين، وكان هذا التدبير منهما معاً؛ إمّا بالمشاركة والمشاورة، أو بتفويض أحدهما الأمرَ إلى صاحبه، وكفّ الممانعة والمضادّة، والاحتياج في التدبير غير منافٍ للقِدَم، وإنّما المنافي الاحتياج في الذات ولوازم الذات، فلابدّ من التعرّض لإبطال هذا الشقّ، ولعلّه ٧ أخّر ذلك ليدرجه في شقوق قوله فيما بعد: «فإن قلت: إنّهما اثنان» كما سيظهر عند شرحه، فشقّ الضعيفين مبطل بالقوّة، وكون أحدهما قويّاً والآخر ضعيفاً موجب المقصود من أنّ المدبِّر واحد، وما عداه مدبّر بتدبيره عاجز عن المشاركة؛ لأنّ القويّ دافعه، فهو عاجز عن المشاركة والمضادّة، ولذا قال ٧: «العجز الظاهر من الثاني» وإن أراك تزعم أنّ ظهور العجز في الثاني من جهة فرض كونه ضعيفاً، وليس الأمر كذلك؛ لأنّ الضعف- كما عرفت من تفسير القويّ- عدمُ الاستطاعة على تدبير العالم، أي إيجاد كلّ جزء منه في الموضع اللائق به على وجه الصواب والحكمة، ومن لم يستطع على ذلك بانفراده أمكن أن يكون قد فعل بشركة غيره، والعجز بمعنى المقهوريّة غير الضعف بالمعنى المذكور، فلا يمتنع أن يكون التدبير الواقع في العالم، الموجبُ لاتّصال جميع أجزائه بعضِها ببعض من قديمين ضعيفين، فلا يثبت أنّ المدبّر واحد.
[١]. في حاشية النسخة: «القوّة. ل».