الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٨٣ - باب حدوث العالم و إثبات المحدث
قال: «نعم، وفي أصغرَ من البيضة؛ قد جعلها في عينك وهي أقلّ من البيضة؛ لأنّك إذا فتحتها عاينت السماء والأرض وما بينهما، ولو شاء لأعماك عنها». [١]
أقول: ليتفطّن اللبيب لما روعي من النكتة في قول أمير المؤمنين ٧: «والذي سألتني لا يكون» حيث لم يقل: لا يفعله اللَّه؛ بل أسند عدم الكون إلى ذات المسؤول عنه. وفي قوله: «ومن أقدر ممّن يلطف الأرض ويعظم البيضة؟» فتدبّر.
قوله: (إنَّهُما اثْنَانِ). [ح ٥/ ٢٢٠]
هذا في الظاهر حَمْل الشيء على نفسه، ولعلّ توجيهه أنّ الذي تخيّلنا متّصفاً بصفة الاثنينيّة اثنان في الواقع أيضاً.
قوله: (مِنْ أنْ يَكونا قَدِيمَيْنِ قَوِيَّيْنِ) إلى آخره. [ح ٥/ ٢٢٠]
لم يُنقل أنّ أحداً من أصحاب النِّحَل ذهب إلى أنّ سلسلة العلل والمعلولات لا إلى نهاية في طرف الماضي، ولا أنّ المبدأ وُجد بالترجيح أو الأولويّة الذاتيّة، ووجه ذلك أنّ الشيطان وإن كان شديد الحرص على أن يغوي الإنسان كلَّ الإغواء، ويدخلَه في الجهالات والضلالات، إلّاأنّه لا يستطيع أن يشكّك في البديهيّات، وبطلانُ الترجيح والأولويّة والذهاب إلى غير النهاية من البديهيّات، والدلائلُ المسطورة في الكتب على سبيل الاستظهار ومن باب إقامة البرهان على المطالب الهندسيّة، الذي في غاية الظهور، ولأجل هذا لم يتعرّض الإمام ٧ لإثبات المبدإ القديم، بل جعله من المسلّمات، وأبطل تكثّره، فاستوفى شقوق القديمين باعتبار القوّة.
والمراد بالقوّة الاستطاعة بنفسه على الإطلاق؛ أي بلا مدخليّة الغير، سواء كان بالمشاركة، أو بتفويض الأمر إليه وعدم الممانعة، لا مجرّد القدرة؛ وذلك لأنّ نسبة القدرة إلى الفعل والترك على السواء، فلا يتحقّق الفعل بمجرّدها، بل لابدّ من أمرٍ آخَرَ وجوديٍّ ينضمّ إليه حتّى يتعلّق به، ورفع الموانع وتهيّؤ الآلات وسائر مايحتاج إليها ممّا يجامع الفعل والترك مأخوذ مع القدرة، والاستطاعةُ هي القدرة المستجمعة
[١]. التوحيد، ص ١٣٠، ح ١١.