الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٣٧٤ - باب معاني الأسماء واشتقاقها
ولا كذلك الظلميّات؛ فإنّها كالتوابع والأظلال للعينيّات لا تأصّل لها في الوجود حتّى يجب أن يكون موجوداً بذاته، ومخرَجاً من العدم إلى الوجود العيني، وثبوتها نفس تابعيّتها للذات الأحديّة، وكذا مسبوقيّتها بالذات، فليس كالامور العينيّة التي مقتضى تأخّرها وانفصال وجودها عن الوجود الأزلي مسبوقيّتها بالعدم، كما سبقت إليه إشارة مّا، وسنزيدك إيضاحاً لما لوّحنا إليه هاهنا في مقام يناسبه إن شاء اللَّه تعالى.
وأشار إلى حكمة خلق الأسماء والصفات المذكورة في الكتاب بأنّها «وسيلة بينه وبين خلقه يتضرّعون بها إليه ويعبدونه» تنبيهاً على أنّها مغايرة للأسماء التي هي الأركان؛ فإنّها ليست بالألفاظ والحروف وهي بها «وهي» أي هذه المذكورات في الكتاب «ذِكْرُه، وكان اللَّهُ ولا ذِكْرَ» لأنّ الذكر موجود عيني مسبوق بالعدم، أو تابع لموجود عيني كذلك، فالذكر محدث «والمذكور بالذكر هو اللَّه القديم الذي لم يزل».
وقوله: «فقولك: إنّ اللَّه قدير» بيان لحال توصيفه بالصفات كالعلم والقدرة، وأنّ معانيها مغايرة للذات لا بانضمام صفة، وأنّ أشكالها وألفاظها وصورها تفنى، وهو لا يزال قدير عالم.
والمراد إذا قلت: قولك: إنّ اللَّه قدير، «خبّرت» بهذا القول «أنّه لا يعجزه شيء» فمعنى القدرة فيه نفي العجز لا صفة وكيفيّة موجودة، فجعلت العجز مغايراً له، منفيّاً عنه، ونفي المغاير عن الشيء مغاير له كالمنفيّ.
وكذلك إذا قلت: قولك: عالم، إنّما نفيت بهذا القول الجهل، وجعلت الجهل منتفياً عنه، ونفيه عنه مغاير له، فمعانيها مغايرة للذات، وصورها وألفاظها وأشكالها فانية، وهو سبحانه لم يزل ولا يزال قادر عالم بذاته، أي هو بذاته مناط نفي العجز والجهل لا بمغاير الذات.
وأمّا مفهومات نفي الجهل والعجز فمغايرة للذات بلا شبهه، والعجز والجهل وأشباهها وإن كانت أعداماً لكنّها أعدامُ ملكاتٍ لها حظّ من الثبوت، به يصحّ أن يُنفى أو يثبَت. [١]
انتهى كلامه أعلى اللَّه مقامه.
فلقد أتى في هذه الحاشية بفوائدَ جليلةٍ تستحقّ أن يُضَنّ بها، غير أنّ قوله: «فمعنى
[١]. الحاشية على اصول الكافي، ص ٣٩١- ٣٩٤.