الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٥٨ - شرح خطبة الكافي
الكنه كنايةٌ عن عدم إمكان البلوغ؛ وذلك لأنّ الوهم أشدّ نفوذاً في الأشياء، وأوسع مجالًا، وأقوى تصرّفاً من جميع المدارك، فهو بمنزلة فرس جموح، غلب فارسَه، وأخذ العنان من يده يعدو ما أطاق وما أمكنه، ويقال له بالفارسيّة: «سرسخت»، وفي التركية: «باشى بَرك» فإذا لم يبلغ الوهم الذي هذا شأنه، فغيره من المدارك بطريقٍ أولى، وما ذل إلّالعدم إمكان البلوغ.
وليعلم أنّ استعمال «ضلّ» مع «عن» لم ينقل في شيءٍ من كتب اللغة عندنا إلّافي الأساس.
قوله: «ذهلت العقول» إلى آخره، يعني أنّه سبحانه في قدّوسيّته وارتفاع شأنه عن أن يُدرك، بحيث لو حاولت العقول الصحيحة الكاملة إدراكَه، حارت ودهشت ونسيت نفسها فضلًا عمّا عداها وشغلت عنها.
في القاموس: «ذهله، وعنه- كمنع- ذهلًا وذهولًا: نسيه لشغل» [١]. وفي المجمل: «ذهلت عنه: إذا نسيته أو شُغلت عنه». [٢]
وفي سورة الحجّ: «يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَ تَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَ تَرَى النَّاسَ سُكارى وَ ما هُمْ بِسُكارى وَ لكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ» [٣].
وفي الكشّاف: «الذهول: الذهاب عن الأمر مع دهشة» [٤]. وهكذا في تفسير البيضاوي. [٥]
قوله: (لا يبلغه حَدُّ وَهْمٍ).
المعنى المناسب للمقام من معاني الحدّ: المنتهى؛ تشبيهاً للوهم بشيءٍ طويل كالعصى والرمح يتوسّل به إلى مماسّة شيء.
في الصحاح: «حدّ الشيء: منتهاه». [٦]
قوله: (وابتعَثَ الرُّسلَ) إلى قوله: (بعدما أضدّوه) من كلام النبيّ ٦ في خطبةٍ رواها
[١]. القاموس المحيط، ج ٣، ص ٣٧٩ (ذهل).
[٢]. مجمل اللغة، ج ٢، ص ٣٤٨ (ذهل).
[٣]. الحجّ (٢٢): ٢.
[٤]. الكشّاف، ج ٣، ص ٤.
[٥]. أنوار التنزيل، ج ٤، ص ١١٣.
[٦]. الصحاح، ج ٢، ص ٤٦٢ (حدد).