الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٤٢٥ - شرح الخطبة من كتاب بحار الأنوار
في أدقّ معانيه مخلوق مصنوع مثلكم، مردود إليكم، ولعلّ النمل الصغار تتوهّم أنّ للَّه تعالى زبانيتين؛ فإنّ ذلك كمالها، وتتوهّم أنّ عدمها نقصان لمن لم يتّصف بهما، وهكذا حال العقلاء فيما يصفون اللَّه تعالى» انتهى كلامه (صلوات اللَّه عليه وسلامه). [١]
وهذه الرواية نقلها الشيخ بهاء الملّة والدِّين في شرح الأربعين. هذا، ومن كان حصول معرفته من طريقٍ آخر على غير الوجه الذي ذكرناه، فمحمولاته على حسب معرفته، إن خيراً فخيراً، وإن شرّاً فشرّاً، فلو فرض أنّه عرفه سبحانه من جهة الرؤية- مثلًا- كان المحمول المناسب الطويلَ والقصيرَ والأبيضَ والأحمرَ وأمثالَها، ولو فرض أنّه عرفه سبحانه من جهة اللمس كان المناسب الخشنَ والليّن، وعلى هذا القياس في سائر الحواسّ، ولو فرض المعرفة من جهة النقل فبحسب ما نقل، فإن كان المنقول المعرّفُ الصفاتِ الذاتيّةَ، نُظر إلى أنّها هل هي من شأنها الحصول للناقل بإحدى الحواسّ، فالمحمولات المناسبة بحسبها أو لا، فهي صفاتُ إقرارٍ أو تقديساتٌ أو تنزيهات، وإن كان الصفات المعروف بها الصفاتِ الفعليّةَ- أي صفاتٍ لها تعلّق بالأفعال، سواء اذعن بها من جهة النقل، أو من مشاهدة الآثار- فلا تدلّ على مبادٍ متغايرة مع اللَّه سبحانه؛ لأنّ أمر اللَّه تعالى لا يُقاس بامور خلقه، فلعلّ ذاته الأقدس- الذي ليس كمثله شيء بأنّه هو- مبدأ لمفهومات متغايرة ظهرت غاياتها في الآفاق والأنفس، ولم يكن هناك لها مبادٍ غيرُ الذات بلا شوب كثرة، فيرجع الأمر إلى أنّ الأسماء الحسنى لم تزل في علم اللَّه تعالى بلا كيف، أي كانت منكشفةً له في الأزل بلا صورة ومثال، وهو تعالى مستحقّ لها بنفس ذاته، وباستحقاق كلّ منها صحّ لنا أن ننفي عنه مقابله، ففائدة حمل تلك الصفات [عليه] تعالى أمران ليس إلّا: أحدهما إظهار التصديق باستحقاقه تعالى بنفس ذاته المقدّسة، المستلزم لنفي مقابلاتها عنه. والثاني الإذعان بغاياتها في أفعاله التي في عالم الملكوت كما في أفعاله التي في عالم المُلك؛
[١]. شرح نهج البلاغة لابن ميثم، ج ٤، ص ٣٨٨؛ مشرق الشمسين، ص ٣٩٨؛ بحار الأنوار، ج ٦٩، ص ٢٩٣، ذيل ح ٢٣.