الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٩٨ - باب حدوث العالم و إثبات المحدث
وأمّا فساد الشقّ الثاني، فهو ظاهر عند جمهور الناس؛ لما حكوا بالفطرة من أنّ الضعف ينافي الأولويّة، ولظهوره لم يذكره ٧.
وأيضاً يعلم فساده بفساد الشقّ الثالث وهو قوله: «وإن زعمت أنّ أحدهما قويّ والآخر ضعيف، ثبت أنّه أي الإله واحدٌ- كما نقول- للعجز الظاهر في المفروض ثانياً؛ لأنّ الضعف منشأ العجز، والعاجز لا يكون إلهاً بل مخلوقاً [محتاجاً] لأنّه محتاج إلى من يعطيه القوّة والكمال والخيريّة.
وأمّا الحجّة البرهانيّة، فأشار إليها بقوله: «فإن قلت إنّهما اثنان» وبيانه أنّه لو فرض موجودان قديمان، فإمّا أن يتّفقا من كلّ جهةٍ، أو يختلفا من كلّ جهة، أو يتّفقا بجهة ويختلفا باخرى.
والكلّ محال: أمّا بطلان الأوّل، فلأنّ الاثنينيّة لا تتحقّق إلّابامتياز أحد الاثنين من صاحبه ولو بوجه من الوجوه. وأمّا بطلان الثاني فلما نبّه عليه بقوله: «فلمّا رأينا الخلق منتظماً» وتقريره أنّ العالم كلّه كشخص واحد كثير الأجزاء والأعضاء مثل الإنسان؛ فإنّا نجد أجزاء العالم مع اختلاف طبائعها الخاصّة وأفعالها المخصوصة يرتبط بعضها ببعض، ويفتقر بعضها إلى بعض، وكلّ منهما يعين بطبعه صاحبَه، وهكذا نشأ هذه الأجرام العالية، وما ارتكز فيها- من الكواكب النيّرة في حركاتها الدوريّة وأضوائها الواقعة منها- نافعة للسفليّات، محصّلة لأمزجة المركّبات التي يتوقّف عليها صور الأنواع ونفوسها، وحياة الكائنات، ونشوء الحيوانات والنبات.
فإذا تحقّق ما ذكرنا من وحدة العالم لوحدة النظام واتّصال التدبير دَلَّ على أنّ المدبّر واحد.
وأمّا بطلان الشقّ الثالث- وهو أنّهما متّفقان من وجه ومختلفان من وجه آخر- فبأن يقال كما أشار إليه ٧ بقوله: «ثمّ يلزمك»: إنّه لابدّ فيهما من شيء يمتاز به أحدهما عن صاحبه وصاحبه عنه؛ وذلك الشيء يجب أن يكون أمراً وجوديّاً يوجد في أحدهما ولم يوجد في الآخر، أو أمران وجوديّان يختصّ كلّ منهما بواحد فقط.
وأمّا كون الفارق المميّز لكلّ منهما عن صاحبه أمراً عدميّاً، فهو ممتنع بالضرورة؛ إذ الأعدام بما هي أعدام لا تمايز بينها ولا تمييز بها، فإذا فرض قديمان فلا أقلّ من وجود أمر ثالث يوجد لأحدهما ويسلب عن الآخر، وهو أيضاً لا محالة قديم موجود معهما،