الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٣٠٠ - باب حدوث العالم و إثبات المحدث
بلا مرجّح؛ لأنّ إحداث كلّ منهما ذلك المعلول ليس أولى بوجه من تركه إيّاه مع إحداث الآخر إيّاه.
وعلى الثاني إمّا أن يكون ترك التارك له مع تجويزه الترك على الآخر قبيحاً وخلاف الحكمة أم لا، والأوّل يستلزم النقص، والثاني يستلزم عدم إمكان رعاية المصالح التي لا تحصى في خلق العالم؛ لأنّه اتّفاقيّ حينئذٍ، ومعلوم بديهةً أنّ الاتّفاقيّ لا يكون منتظماً في أمر، بل كصدور مثل قصيدة من قصائد البُلغاء المشهورين عمّن لم يمارس البلاغة، وإن كان يمكن أن يصدر عنه اتّفاقاً مصراع بليغ أو مصراعان فضلًا عمّا نحن فيه.
وأمّا بطلان الثاني، فلأنّه يستلزم أن يكون مختلفةً من جميع الوجوه، بأن لا يكون أحدهما قادراً عليه أصلًا؛ لأنّ اختلاف نسبة قادرين إلى معلول واحد شخصي إنّما يتصوّر فيما يمكن أن يكون راجعاً إليه كالعبادة، أمّا إذا كان القادران بريئين من الانتفاع- كما فيما نحن فيه- فلا يتصوّر ذلك بديهةً، وينبّه عليه أنّ الغنيّ المطلق إنّما يفعل ما هو الخير في نفسه من غير أن يكون له نفع فيه، سواء كان لغيره فيه نفع كما في ثواب المطيع، أو لم يكن؛ ومثاله عقاب الكافر إن لم يكن للمطيعين فيه نفع.
وتقرير الثالث: أنّه إن كان المدبّر اثنين، فنسبة معلول معلول إليهما إمّا متساوية من جميع الوجوه أو لا، وكلاهما باطل:
أمّا [بطلان] الأوّل، فلأنّ صدور بعض المعلولات عن أحدهما وبعضٍ آخر منها عن آخر يحتاج إلى ثالث هو الفرجة بينهما، أي ما يميّز ويعيّن كلّ معلول معلول لواحد معيّن منهما حتّى يكون المدبّران اثنين، لامتناع الترجيح من جهة الفاعلين بلا مرجّح، أي بلا داع أصلًا كما هو المفروض، فيلزم خلاف الفرض وهو أن يكون المدبّر ثلاثةً، ثمّ ننقل الكلام إلى الثلاثة وهكذا إلى ما لا نهاية له في الكثرة، ويلزم التسلسل.
وإنّما اكتفى [١] ٧ بعد نقل الكلام إلى الثلاثة بالاحتياج إلى فرجة واحدة للتمييزين حتّى يكون المجموع أربعةً لا خمسةً، وإن كان المطلوب و هو لزوم التسلسل حاصلًا به أيضاً؛ لأنّ هناك ثلاثةَ تمييزاتٍ وتخصيصُ واحد منهما بمميّز- كما هو المفروض-
[١]. في المصدر: «وإنّما ل ٢ ضتف».