الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ١٠١ - وتنقيح المقام يقتضي بسطاً في الكلام
يُريبُك إلى ما لا يُريبُك» [١] هذا.
وقوله ٧: «وأمرٌ مشكل يردّ علمه إلى اللَّه ورسوله» يدلّ على أنّ التخلّص من المشكل إنّما هو بالسؤال؛ لأنّ الردّ كناية عن ذلك.
وفي هذا ردٌّ صريح على المخطّئة الذين يقولون: لنا في المشكل أن نجيل فكرنا ونرجّح طرفاً؛ فإنّ كثيراً ممّا يحتاج إليه الامّة قد أبهم اللَّه حكمه الذي قدّر في اللوح، ولم يُعلم به نبيّه؛ ليكون مجالًا لأفكار العلماء، فيثابوا ثوابين إن اتّفق الإصابة، وواحداً إن أخطأوا، وليس ممّا جاء به النبيّ واستودعه اولي الأمر وأمر الناس بالسؤال عنهم؛ «وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ»، [٢] «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» [٣].
قال ابن الأثير في النهاية: «المحدّثون يسمّون أصحاب القياس أصحاب الرأي؛ يعنون أنّهم يأخذون بآرائهم فيما يشكل من الحديث، أو ما لم يأت فيه حديث ولا أثر» [٤] انتهى.
ثمّ من الظاهر أنّ السؤال عند التيسّر، فإذا لم يتيسّر فإن أمكن التوقّف أو الاحتياط، وإلّا فالعمل بأيّهما شاء على وجه التسليم.
وهاهنا إشكال: وهو أنّه قد بيّن ٦ أنّ المجمع عليه لا ريب فيه، فكان المناسب أن يأمر به أوّلًا، وقدّم اعتباره على اعتبار الأعدليّة.
والجواب: أنّ الغرض نهجُ عدّةِ سُبُلٍ يحصل بكلّ منها الخروج عن مضيق الحيرة في زمان الهدنة، إلى أن يأذن اللَّه لوليّ الأمر إعلان الحقّ والصدع بالأحكام الواقعيّة، وتصيرَ كلمة اللَّه هي العُليا، ويتقشّعَ بنور الحقّ غمائم الباطل التي طبّقت وعمّت وجه
[١]. الانتصار، ص ٣٦٣، المسألة ١٤٥؛ الناصريّات، ص ١٣٩، المسألة ٣٨؛ إرشاد القلوب، ج ١، ص ١٢؛ غررالحكم، ص ٧١؛ كشف الغمّة، ج ١، ص ٥٣٥؛ عوالي اللآلي، ج ٣، ص ٣٣٠، ح ٢١٤؛ وسائل الشيعة، ج ٢٧، ص ١٦٧، ح ٣٣٥٠٦، عن جوامع الجامع. سنن الترمذي، ج ٤، ص ٧٧؛ سنن النسائي، ج ٨، ص ٣٢٧؛ مسند أحمد، ج ١، ص ٢٠٠؛ المستدرك للحاكم، ج ٢، ص ١٣.
[٢]. النساء (٤): ٨٣.
[٣]. النحل (١٦): ٤٣.
[٤]. النهاية، ج ٢، ص ١٧٩ (رأى).